مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر
6. كلمة الأستاذ زهير عبد اللطيف غنوم، عضو مجلس الشعب من حمص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلوات الله وسلامه على كامل النبيين والمرسلين، وبخصوصية
على محمد وآله وأصحابه الميمونين.
وقد حاصرتنا اللجنة المنظمة كما نحاصر في مجلس الشعب بالزمن والوقت، فقد اختصرت
كثيرا ولم أقل في كلمتي استعراضا تاريخيا، وإنما أردت أن أبرز ميزات تلك السيدة
العظيمة الكبيرة النجمة المحمدية، هذه الميزات التي لعبت وما زالت تلعب دورا كبيرا
في بناء الإنسان وإصلاحه.
زينب ما فتئت أتخيلها تلك النسمة الرقراقة الصافية التي مرت على تسنيم تلألأ كضوء
القمر وتزهو كعين الشمس كما أودعها شجرة وارفة الظلال، ماتت وهي واقفة دون خوف ولا
وجل حيث ستلاقي ربها منضمة إلى الصف الأول ما بين الأنبياء والصديقين وآل بيتها
الكرام والصحابة الميمونين. وفي هذه الزينب العظيمة التي ولدت من حسب ونسب، كرم
الله هذا الحسب وهذا النسب حيث اصطفى رسول الله (ص) ليكرم الدنيا بأكملها بهذا
الرسول العظيم ويكرم من تبعه من آل بيته وأصحابه. وإن هذه الإنسانة العظيمة التي
نتحدث عنها الآن والتي قدر أن تعيش في فترة تعج بجلل الأحداث وأن تلعب دورا على
مسرح الدولة الإسلامية أقل ما نستطيع وصفه هنا بالدور الكبير ذو الشأن العظيم. فقد
اقترن اسم السيدة زينب (ع) بالتاريخ الإسلامي الإنساني بمأساة فاجعة (معركة كربلاء)
أخطر الحروب في التاريخ العربي والإسلامي والإنساني، وما زلنا حتى الآن نحصد عربا
وإسلاما ذيول تلك الحرب المدمرة والتي كانت أقسى وأعتى مما يتخيله عقل البشرية
بالحروب النووية، فلا يمكن في حرب نووية أن تحصد عائلة بكاملها عن سابق إصرار
وتصميم، يمكن للحرب النووية أن تحصد بلدا لكن بشكل عشوائي والذي يصنع هذه الحرب لا
يعرف هذا من ذلك. أما في كربلاء فكانت العملية مقصودة بآل بيت رسول الله فردا فردا
ومن ذاك الوقت زرعت الفتنة والبغض والحقد بين فئات المسلمين وهنا لو تخيلنا أن تلك
المعركة لم تحدث لرأينا أنفسنا اليوم صفا واحدا نجتمع على شهادة أن لا إله إلا الله
وأن محمدا رسول الله فقط. وبهذا السياق إني أدعو الله عز وجل بأن يوحد صفنا وأن
يجعل كل ما مر بتاريخنا من أخطاء ونبذ وأحقاد غيوما زائلة كي نعود إلى الصف الواحد
الذي لا يمكن بدون هذا الصف أن يكون لنا الكيان المرموق والشأن الكبير الذي نستطيع
فيه العيش بكرامة الإسلام والمسلمين. وقد تميزت السيدة زينب (ع) بإيمانها الكبير
بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر ومن خلال هذا الإيمان برزت أخلاقها العالية التي
تشربتها من خلق رسول الله (ص) ومن أخلاق سيدة نساء الجنة الزهراء (ع) وأهم ما برز
في هذه الأخلاق العفة. هذه العفة التي تحتاجها الإنسانية الآن فلو كانت العفة
موجودة الآن بين بني البشر لما شاهدنا تلك الأمراض الاجتماعية والنفسية والجسدية
التي يعاني منها مجتمعنا الإنساني هذه الأيام، لكن أريد أن أعرج على أن عفة السيدة
(ع) عفة أهل البيت وطهارتهم.
من صفاتها أنها من أصحاب العلم والأدب فمنذ أن فتحت عينيها على الدنيا وجدت نفسها
في أحضان جدها الرسول الأعظم (ص) أبي العلم والعلماء إلى يوم الدين ثم ترعرعت وشبت
في بيت كرمه الله بالعلم بيت علي (ع) وهنا أذكر قول رسول الله (أنا مدينة العلم
وعلي بابها). الباب الذي تمر منه كل العلوم وقد كان علي أفصح الفصحاء وأخطب الخطباء
ورغم وصول البشرية إلى أحدث طرق التعلم من خلال الأتمتة والعلوم الحديثة وحتى الآن
لم يأت إلينا خطيب أو فصيح أو عالم كعلي، ومن لا يصدق فعليه بنهج البلاغة حيث الاسم
على المسمى.
ومن مواصفات تلك السيدة العظيمة الصبر، فقد نشأت حياتها على الصبر، تعلمت الصبر مع
أسنانها اللبنية حيث توفي الرسول الأعظم وعمرها خمس سنوات وكانت مولعة به ومولعا
بها وقد شعر من حولها أنها حزنت حزن الكبار وصبرت كصبرهم وتوالت على حياتها الأحزان
لا تعلم من أين يأتيها الحزن حيث توفيت الزهراء (ع) والدتها سيدة نساء الجنة وكانت
من الصابرات إضافة إلى أنها وهي صغيرة تحملت مسؤوليات البيت ومسؤولية إخوتها وأبيها
(ع) وصارت المعارك التي اختلقت على والدها علي (ع) وكل يوم خبر وكل يوم معركة إلى
أن قتل أبوها أمير المؤمنين، حبيب رسول الله، فتى الإسلام. أليست هذه الأحداث تدعوك
للذهول والتعجب في تحمل كل ذلك وما هي إلا سيدة في ريعان شبابها. أدركت بقرارة
نفسها وروحها أن الصبر هو العنوان العريض الذي نستطيع أن تتمسك به من أجل استمرارها
واستمرار إخوتها وأولاد إخوتها وأولادها هي أيضا حيث تزوجت من عبدالله بن جعفر ابن
عمها. ثم بعد أن قتل علي لم تهدأ الأمور فكان معاوية يريد التخلص من أخيها الحسن
وهنا برزت صفة أخرى للسيدة زينب (ع) وهي صفة العقل فقد كانت عاقلة بل حكيمة أيضا،
فكثيرا ما حاولت مع أخيها الحسن كي لا يصطدم مع جماعة معاوية حيث أن معاوية كان همه
أن لا يطالب الحسن بالخلافة، ويقال أنها لعبت دورا في إقناع الحسن بالابتعاد عن
النار المشتعلة وعلى إثرها أقام في المدينة المنورة ثمان سنوات، حتى بلغت الفتنة
قلب زوجته التي دست سم الغدر والخيانة في جوف المجتبى المطهر، الذي لم يسلم جسده
الطاهر من سهام الحقد التي أصابت جنازته، ومنعت أهله وأصحابه من دفنه إلى جانب جده
الرسول الأعظم، عندها أقنعت السيدة زينب أهله بدفنه بالبقيع إلى جانب والدته
الزهراء كي لا تتفاقم الأمور وتشتد الفتنة، فقد كانت حكيمة في كل تصرفاتها ثم رحل
سيدنا الحسن إلى مكة حيث علم أن معاوية جند عددا من الرجال للتخلص منه ولم تستطع
زينب إلا أن لحقت بأخيها الذي ذهب ليقيم بمكة وكان القرار الصعب بعد أربعة أشهر
وعلى ما يبدو أنه قد تم الاتفاق ما بين السيدة زينب وأخيها الحسن للذهاب إلى العراق
ذلك بناء على مراسلات مع مسلم بن عقيل سفير الحسين إلى العراق وإقناعه بأن أهل
الكوفة ينتظرون سيدنا الحسين وآل بيته لكي يستعيدوا حقهم المسلوب في الخلافة وفي
إبعاد المستهترين بالإسلام والمسلمين آنذاك زياد بن أبيه ويزيد بن معاوية الذي تولى
الخلافة بعد موت والده معاوية. ويرون في السير أن سيدنا الحسين رأى جده الرسول في
المنام وقد أخبره بكل ما سيحدث ومن خلال المعطيات التاريخية بأن سيدنا الحسين ترجم
هذه الرؤية للسيدة زينب وذهبا مع عيالهما إلى العراق وهما على إطلاع بما سيحدث لكن
أمر الله على ما يبدو بهدف إبراز الكافر من المؤمن كان هو الدافع الذي ارتضيا به
ولو كان على حساب حياتهم الطاهرة وحياة أولادهم الزكية، وفعلا تم الأمر وبينما وصل
سيدنا الحسين والسيدة زينب إلى العراق حتى شاهدا أن أهل الكوفة انقلبوا على عهودهم
لمسلم وكان ما كان من فاجعة كبرى في كربلاء التي ما زالت حزينة تحمل دماء أهل البيت
بترابها الذي بقي وصمة عار وسيبقى إلى يوم القيامة والدين في جبين أولئك الذين
فعلوا فعلتهم ليس مع أهل البيت وحسب إنما الفعلة كانت مع الله ورسالته السماوية
العظيمة التي ختم الله فيها رسالاته إلى آخر رسول وأعظم رسول في الدنيا محمد (ص).
وبعد الجريمة الكبرى في قتل أحفاد رسول الله قام أولئك المعتدون بسبي نساء آل بيت
الرسول، ولم يكن بقي من الذكور إلا علي زين العابدين وكان مريضا وكانت على رأس
السبايا السيدة زينب التي كانت تلعب دور الأب والأم وتحن على هذه وتضمد جراح تلك ثم
اقتيدوا بعدها إلى الكوفة ومن ثم إلى دمشق ليقفوا بين يدي الطاغية يزيد ليرى بنفسه
ما اقترفت يداه حيث دنس نفسه بالجريمة التي سفك فيها دماء رسول الله التي جرت في
عروق أحفاده، فلذات كبده وقد برزت ناحية كبيرة هي الصمود أمام المآسي والأحزان
وأمام تلك الأهوال الكبيرة والعظيمة ثم برزت ناحية أخرى اضطرت السيدة لإبرازها وهي
الخطابة بالناس من أجل إبراز الحقيقة ولو لم تحدث تلك الأحداث لما استطاع الناس
سماع صوت تلك الشفافة صاحبة الأخلاق والعفة. هكذا أيها الأخوة ومن خلال هذا العرض
الذي يمكن أن يكتب في تفاصيله أكثر مما كتب الكتاب والمؤرخون عن تلك الحياة التي
عاشتها السيدة زينب (ع) سيدة نساء العالمين فقد برزت الصفات الكبرى وهي: الأخلاق
العالية- العفة- الصبر- العقل- الحكمة- السياسة الكبرى.
فنحن الآن أحوج للأخلاق التي تحلت بها تلك السيدة العظيمة، الأخلاق التي اكتسبتها
من بيت رسول الله وكانت جامعة شاملة لكل الرسائل التي نزلت على النبيين والرسل
والتي أتت كلها لتدعو للأخلاق الكريمة والتعامل الأمثل بين بني البشر وكانت السيدة
زينب (ع) في حياتها تمثل كل تلك الأخلاق الفاضلة. والعفة التي برزت بصفات السيدة
متميزة بطهارتها المستمدة من طهارة أهل بيتها وقد أوردت سابقا بأننا الآن أحوج إلى
هذه العفة التي تعني الكثير. العفة عن كل شيء خاطئ حتى نحفظ أنفسنا في الدنيا
والآخرة، وأما عن الصبر فقد بنيت استمرارية حياتها عليه وهذا موضع العبرة لنا
لنطبقه في حياتنا، وهو ما يستعين به أسرانا في فلسطين والعراق وسجون العالم من أجل
الاستمرار في الحياة.
وأما عقل السيدة الكبيرة وحكمتها فهو السر وراء كونها الناصحة لأخويها في حياتهم
والجامعة لشمل الأسرة من بعدهم. وفي السياسة فقد برزت من خلال جانبين مهمين: الأول
حين اضطرت للمثول أمام زياد ويزيد مجرمي الحرب بعرف هذه الأيام، والجانب الآخر
عندما بدأت توضح للناس الحقائق، ولولا هذا الشرح والخطب التي ألقتها في حياتها لما
وصلت إلينا الصورة الحقيقية، عما حدث مع أهل البيت الطاهرين.
وهكذا أيها الإخوة: فإن ما أوردناه هو جزء من منهجية السيدة العظيمة زينب (ع)، وإنه
نهج كبير وكبير جدا نتعلم الدنيا من خلاله، كما إنه عبارة عن ركائز أساسية تتلخص في
الحق والصدق والأخلاق والعقل والسياسة والحكمة. ولو استطاع أي إنسان أو أي مجتمع
جمع كل هذه الركائز لبنيت الأمة بأكملها على أحسن وجه. والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته.