مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر

5. كلمة حجة الإسلام السيد محمد عبد الحكيم الصافي، ممثل المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني في سوريا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
السيدة زينب (ع) إعلام.... وثورة
برز في الأمة الإسلامية عظماء وفطاحل، وما أكثرهم، على أن أفضلهم على الإطلاق رسول الإنسانية العظيم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وأله وسلم.. ثم الأقرب إلى فكره وروحيته ومنهجه في الحياة، وكان في مقدمة هؤلاء أهل بيته الطاهرون، الذين خصهم الله تعالى بآية التطهير، ومدحهم بآيات قرآنية كثيرة، لأنهم كانوا تلامذة بررة للنبي الكريم، وخلقه العظيم، كما كانوا عترة مطهرة، جعل الله منها نسلا لنبيه الأعظم (ص).
ومن الرسول الكريم وبضعته الزهراء وابن عمه علي بن أبي طالب، تحدر سيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين، ومعهما كانت عقيلة الطالبيين زينب الكبرى، سلام الله عليهم أجمعين...
وقد كان للسيدة زينب دور مهم في تاريخ الإسلام، بلغ ذروته في مواقفها العظيمة بعد شهادة أخيها الإمام الحسين، خاصة موقفها في الكوفة، وموقفها في الشام أمام الطاغية المتغطرس يزيد بن معاوية، ثم موقفها في المدينة المنورة...
أيها الإخوة الأعزاء...
سنمر على هذه المواقف الثلاثة بعجالة، مراعاة لوقت هذا الاحتفال الكبير المبارك، الذي هو ـ بحق ـ جزء من الواجب العظيم تجاه هذه البطلة العظيمة، خاصة وأمتنا الآن أحوج ما تكون إلى القدوة الصالحة، وخصوصا في أوساط مجتمعاتنا النسوية، حيث المسؤولية الضخمة الملقاة على عاتق المرأة العربية والإسلامية في هذا المنعطف الخطير من تاريخ أمتنا العربية والإسلامية، تجعل من أهم ما يجب علينا الأخذ به، أن نتبين القدوة الحسنة التي تقود إلى الطريق الصحيح المستقيم، بعد أن حاول أعداؤنا إيجاد القطيعة التامة بين أجيال اليوم وبين تراثها الثر، وأفذاذه المخلصين.
السيدة زينب، بعد أمها الزهراء (ع)، من ألمع القدوات التي لا بد لنسائنا أن يقتدين بها إذا أردن ـ حقا ـ النهوض بأعباء المسؤولية، وأخذ زمام المبادرة، والرقي إلى ما يحقق لأمتنا أهدافها المنشودة...
وجراح أمتنا اليوم كجراح أمتنا يوم استشهد الإمام الحسين (ع)، مع ثلة كريمة من أهل بيته وأصحابه... فكيف وقفت زينب العقيلة، القدوة والأسوة؟
إذا عرفنا موقفها، وعشنا روحها، وتضمخنا بعبير أهدافها السامية، وسرنا على طريقها، أمكننا أن نبدأ الخطوة الأولى من طريق الألف ميل... إذن فلنعد إلى التاريخ، ماذا يخبرنا؟
قال أكثر من راوٍ، منهم حذيم بن شريك الأسدي، وحذلم بن كثير:
رأيت زينب بنت علي، ولم أر خفرة أنطق منها، كأنها تفرغ عن لسان أبيها أمير المؤمنين، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس، وسكنت الأصوات، فقالت:
((الحمد لله، والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الطيبين الأخيار...
أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والمكر... أتبكون؟... فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة... إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلهـا من بعد قوة أنكاثا... تتخذون أيمانكم دخلا بينكم... ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والكذب الشنف، وملق الإماء، وغمز الأعداء... أو كمرعى على دمنة، أو كقصة على ملحودة.. ألا ساء ما قدمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون...)). إلى آخر خطبتها الجليلة.
قال الراوي: فوالله لقد رأيت الناس حيارى يبكون، وقد ردوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي، حتى اخضلت لحيته بالدموع، ويده مرفوعة إلى السماء... وهو يقول: بأبي أنتم وأمي، كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يبور ولا يخزى أبدا...
فقال لها الإمام علي بن الحسين (ع): ((اسكتي يا عمة، فأنت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة)).
لقد افتتحت السيدة زينب (ع) كلامها بعد حمد الله، بأن ذكرت أول ما ذكرت بقرابتها القريبة من رسول الله (ص)، حيث هي ابنة ابنته، فهو أبوها الأعلى من جهة الأم، إذ قالت بالنص: ((الحمد لله، والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الأخيار))، لتسحب بذلك البساط الديني أولا من تحت أرجل يزيد وأتباعه، ولتسقط قناع الخلافة التي يزعمون أنها امتداد لخلافة رسول الله (ص)... ثم ركزت على أن آل النبي هم الطيبون الأخيار، مما يعني أن المساس بهم وسبيهم وقتلهم وأسرهم الذي اقترفه الأمويون أبشع اقتراف، ما هو إلا مساس بالنبي الكريم (ص)، ومبادئ شريعة الإسلام العظيم...
ويلاحظ بشيء يبهر العقول أن موقفهـا لم يكن موقف المتهيب، ولا موقف المنهار أمام أعظم مأساة عرفها التاريخ، ولا موقف الذليل الخانع وهو أسير في قبضة ألدّ الأعداء، وأشد خلق الله دموية وإرهابا.. بل كان موقف البطل المتحدي، بل كأنها لم تفقد شيئا من عزتها وشموخها ومجدها المحمدي، فراحت تخاطبهم بأسلوب يتعالى عليهم، ويهزأ بدموعهم الجبانة، التي لا تغير من الواقع المزري شيئا...
كان هذا شأن الأمة الإسلامية كلها، وإنما ذكرت السيدة زينب أهل الكوفة؛ لأن موقفها كان في الكوفة، والكوفة بلدة حديثة العهد بالتمصير، وفيها الخليط من شتى قبائل العرب، هذا بالإضافة إلى وجود جيش الدولة الذي كان يتأهب للانطلاق إلى حروب الفتوح شرقا، وكان قائدا عليه عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو من أهل المدينة المنورة، وطبيعي أن يكون الجيش ـ جيش الدولة ـ متشكلا من أناس من أصقاع البلاد الإسلامية؛ من العراق، والشام عاصمة الحكم الأموي، والجزيرة العربية التي جاء منها الجيش الذي فتح العراق والشام وبقية البلدان... فخطابها لأهل الكوفة، هو خطاب لكل ذلك الخليط الذي يسكن الكوفة من الأهالي والجيش، ويخطئ من يظن أن المراد بذلك أهل تلك المدينة الأصليون فقط...
ومن الواضح أن هذه الخطبة العصماء هي من عيون الأدب العربي الخطابي، ومن بليغ الشواهد النادرة على جمال البلاغة العربية، وقد بدا واضحا اقتباس الآيات القرآنية الشريفة، ومجيئها بموقعها الرصين في طيات الكلام في أطر من البلاغة رائعة الجمال.
كما في خطبتها حرب نفسية قوية شنتها عليهم، وذلك حين توعدتهم بالانتقام الإلهي، والعقوبة الماحقة من قبل الله تعالى، وجعلتهم يعيشون القلق والترقب الذي سيكون نتيجة طبيعة لاقترافهم هذه الجريمة النكراء، حيث قالت لهم: ((فلا يستخفنكم المهل... فإنه لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار.. وإن ربكم لبالمرصاد)).
هذا كله مع عامة الناس في شوارع الكوفة، وفي أوساط الجيش الذي يحيط بهم مزهوا بانتصاره عليهم وأسره لنسائهم وأطفالهم. أما موقفها في مجلس ابن زياد فهو من أروع المواقف وأجرئها وأشدها إدهاشا وإعجابا... فقد احتقرته ولم تجبه، وهو يسأل عنها مرة ومرتين وثلاثة، وهو من هو في الخسة والنذالة والبطش والترهيب والقسوة والقتل والتنكيل...
وحين تكلمت تكلمت بكل عظمة وشموخ وكبرياء... كبرياء المؤمن في وجه الظالم الغاشم... وراحت ترد عليه فريته وتسقط أقنعته، وتحطم عنده نشوة انتصاره، غير عابئة بسطوته، ولا خائفة من عسكره وجلاوزته، ثم راحت تسفه فهمه وتحويره لآيات القرآن الكريم... ولم تنته المحاورة الصاخبة بينهما، إلا وقد بهت الذي كفر، وانتصرت إعلاميا على هذا المد الطاغي من الكذب والدجل وتجهيل الناس...
وهكذا بذرت في مجتمع الكوفة بذور الرفض الجديد الواعي للسياسة الغاشمة الطاغية، وفتحت أبصار الناس وبصائرهم، ليكون السبيل ممهدا أمام فعل الأبطال، فكانت ثورة التوابين، ثم ثورة المختار التي حققت هدفها بأخذ ثأر الحسين (ع)، ثم ثورة زيد بن علي بن الحسين (ع).
أيها الحضور الكرام...
وأما خطبتها في قلب الشام، وأمام جبروت يزيد وطغيانه، فهي من فرائد الدهور، من حيث الموقف الجريء، والحجة الدامغة، والبلاغة العالية، والثبات الكبير على الحق... في محيط صعب، إذ الناس فرحون مبتهجون، يغنون ويمرحون، والزينة تملأ الشوارع والأمكنة... وحين أدخل السبايا وهن مرهقات من رحلة الأسر الطويلة على الجمال العجاف دون غطاء يمنع الشمس والهجير، ودون وطاء يساعد على تحمل السير العنيف العسير... حين أدخلوا على يزيد بن معاوية في مجلسه الذي أعد لحضوره، فحضر الجمع الغفير إبرازا لسطوته وعنجهيته، وإيغالا في حقده وشماتته...
فإذا بها المارد الجبار الذي يزعزع هذا العرش المشيد على جماجم أبناء الأنبياء، وجثث أتباعهم النجباء... وإذا بصوتها الهادر يصك سمع الطاغي، ويهز في السامعين الضمائر:
(( الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: [ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون]، أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده وجليل قدرك لديه؟ فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا؟! فمهلا، مهلا... لا تطش جهلا، أنسيت قول الله تعالى: [ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خيرا لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين]... أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟! قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد والدني والشريف، ليس معهن من رجالهن ولي، ولا من حماتهن حمي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم، داعيا بأشياخك:
ليت أشياخي ببدر شهدوا         جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحا            ثم قالوا: يا يزيد لا تشــــــــــل
منحنيا على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك؟! وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء محمد صلى الله عليه وآله ونجوم الأرض من آل عبد المطلب... أتهتف بأشياخك! زعمت أنك تناديهم... فلتردن وشيكا موردهم، وتودن أنك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت...
اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا))، إلى آخر خطابها القيم.
فأصابت بالصدمة والذهول مقتلا من الطاغية يزيد... وهذه الصدمة كانت قوية بحيث زعزعت حالة الاستغباء والاستغفال التي مارستها السلطة اليزيدية على طبقات المجتمع الشامي...
كانت تفضح السياسة الحاكمة الغاشمة، وتطلق العقول من أسارها، وتبعث في النفوس الخانعة لهيب الثورة، وقد أبصرتهم الصبح واضحا لذي عينين، وجعلت الناس وجها لوجه أمام مسؤوليتهم، فلا عذر لمعتذر، ولا حجة لمتحجج، بل رفعت التباس الأمور، وأبانت عن الأمة المفجوعة بولاتها كل خفي ومستور، وبدا يزيد وهو في حالة لا يحسد عليها أبدا، وقد باء بالعار والشنار...
وهكذا زلزلت كلمة الحق التي يطلقها قلب مفعم بالحق والبصيرة والهدى، زلزلت عرش الطاغوت، وهتكت أستار التزييف والتضليل عن وجه الحقيقة الناصع، وكانت بنت البيت المحمدي الطاهر هي الجبل الراسي الذي لا تزعزعه عواصف الطغيان والخذلان... لأن الإنسان الرسالي إذا ملك الحق، وعرف كيف يكون جنديا وفيا له، فإنه سيملك زمام الانتصار عاجلا أو آجلا...ولم يعد أمام يزيد إلا أن أرجع السبايا إلى بلدهم المدينة المنورة، وفي المدينة المنورة واصلت السيدة زينب (ع) تهييج الثورة على الانحراف اليزيدي، وللتدليل على عظيم دور السيدة زينب في المدينة المنورة، رسالة واليها عمرو بن سعيد الأشدق، إلى يزيد بن معاوية حيث يقول: ((إن وجودها بين أهل المدينة مهيج للخواطر، وإنها فصيحة عاقلة لبيبة، وقد عزمت هي ومن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين))، فجاء أمر يزيد: ((فرق بينها وبين الناس)).
أيها الحفل الكريم...
الرحلة في عالم السيدة زينب (ع)، رحلة في عالم سامٍ من التضحية والصبر والجلد والثبات، لم يكن ليزدهر لولا إيمان راسخ بالله، وتمسك مطلق بالحق، وإخلاص تام للمبدأ، وصدق حقيقي في الفداء، وهكذا كانت زينب الإعلام والثورة، اللذين عاشت بهما دماء أخيها الإمام الحسين (ع).
فسلام عليها يوم ولدت ويوم توفيت ويوم تبعث حية...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.