مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر
4. كلمة الأستاذ الشاعر الدكتور محمد عباس علي – وفد اللاذقية

باسم الله ، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله واله وصحبه ومن والاه
والسلام عليكم أيها الأخوة والأخوات المحتفون في هذا المهرجان الولائي الرابع عشر
سيدتي نجمة آل محمد (ع)...
لقد عطرتْ شعري ذكراك مرتين، عبر مناسبتين سابقتين...
وهاهو نثري يتقدم ليكون له شرف الحظوة الثالثة... معاهدا إياي: أن لا يقل رونقا
وعبقا عن أخيه الشعر... مذكِّرا: أنهما أخوان من أم وأب... أمهما: اللغة، وأبوهما
الأدب.
أيها الأحبة:
لن أكتب عن سيرة من كانت سيرتها دمعة الأيام على خد الزمن الشاهد على حروف وظروف
تلك المعركة المروعة، والمعمعة الظالمة... والتي ناء بحملها التاريخ، فألقى عن
كاهلها منها ما ألقى... وأبقى ما أبقى... وظل منها ما يهز الضمائر: جزعا... ويرنح
النفوس: أسى.
كما أنني لن أكتب في ما ينكئ الجراح، أو يثير الضغائن... فكم تجاوز الزمن هذين!!
وحط رحاله في باحة المصير المشترك.
إنما أكتب... في ما يصلح أن يكون نجوى... أو تطلعا إلى قمة.
وذا يجعلني منذ البدء أشعر أنني أمام مسؤولية الكلمة العليا المؤهَّلة بفحواها
ونجواها: لتبرز مثالا أعلى، أو تجسد قدوة صالحة...
ومثلها: مسؤولية الريشة المرهفة التي تعشق اللون وتهتز كلما فاح العبير...
وها قد تيمَّنتُها... وشمالي على قلبي، تهدئ فوران العشق فيه.
لمَ لا؟
وأنا أكتب عمن هي فوق السرد، وفوق النقل...
وعمن يتطلع إليها الضحى، ليدلل على انتمائه إلى ألقها وبريقها.
وعمن تتنشق فوحَ ذكراها العطور، لتتأكد من حقيقة نسبها إلى رياض تلك الحوراء، ابنة
الزهراء.
لم لا ثانية...
وشخص زينب: تؤطره أنوار النبوة... وترسمه هالات القداسة، سواء من كونها:
• زينب ابنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،...
• أو من كونها ابنة الزهراء، بضعة رسول الله، أو من كونها شقيقة ريحانتي الجنة،
الحسن والحسين،...
• وأخيرا وليس آخرا: من كونها زينب زوجة عبد الله بن جعفر الطيار... الرجل – الشهم
– الأريحي – الهاشمي.
وبعد هذا وذاك... ويا لعظمة هذا وذاك!!
فهي:
بطلة كربلاء... ورفيقة سيد الشهداء... والكيمياء التي حولت ما كان في كربلاء من كرب
وبلاء إلى دروس وعبر... وخلدت تضحيات القائد لثورتها، والفادي لآثام عصرها: أبي عبد
الله الحسين.
فإليك... يا عفاف العفاف،
يا قُبلة قِبلة الموقف الصعب،
يا ذات الجيد المثقل بالمصاعب والمكرمات... وظل نديا، ونقيا.
يا من زَيَّنْتِ واجهات عصرك في لوحات جهادك، وقد ضَمَّنْتِها بوحا من همومك، ومزجت
ألوانها: بوشي من طموحك.
فأشرق ما بين الخطوط والألوان: وجهك الوضَّاء... وافتر ثغرك النقي: عن مبسم رضي...
يتهلل بالصلاة على النبي... وآل النبي...
أيها الإخوة...
في لحظة زينب لم تعد زينب الجسد، بل انصهر ذلك الكثيف في مصهر انفجار النور الكامن
في مدى الروح، لتصبح فوق ذاتها المادية الكثيفة: ذاتا خالصة للحق.
أو قل: ذاتا مخلَصة لله سبحانه.
دلالة على تأهلها إلى مرتبة تسلم الراية... راية الحق الذي قدم الفادي الشهيد أبو
عبد الله الحسين دماءه الطاهرة وحياته الكريمة: نذرا حنيفيا، يطهر به آثام عصره،
ويبقي الحق: حيا في ثنايا عصور لاحقة...
فلتشتعل حنايا السماء: شوقا إلى هذا القادم العظيم... يتسلم مهمته الموعودة، وهي
سيادة شباب الجنة.
وابشري يا زينب النور: فقد آلت إليك مهمة حمل الراية، وحنت إلى طيبك: أكف المجد
والسؤدد...
وانعمي... أيتها الراية النبوية... راية الحق الباقي ما بقيت شهادة: (لا إله إلا
الله، محمد رسول الله)، واسلمي خفاقة عند طيب الأنوثة... ولتبدأ معك ملحمة الصبر
والمواجهة بإباء وكبرياء، على يدي وريثة الشرف الرفيع، ونداء البقيع، بقيع غرقد...
بالصلاة على محمد وآل محمد...
إيه سيدتي زينب:
أستسمحك لأستعيد لوحة رسمتِها، ساعة قدمتِ الجواد إلى فارسه، وأنت تحدثين نفسك بصوت
عال:
- أية أخية أنا... تقدم فرس المنية إلى أخيها؟...
وبعدما اعتلى صهوة الحصان: أنزلْتِهِ... لتنفذي وصية أمك، أوما قد أسميتِها
(الوديعة)؟. حيث أوصت:
- حين يغدو الحسين وحيدا، وقد عزم على أمر لا مفر منه، قبليه عني: خدا وجيدا.
وفعلتِ... ثم التفتِّ إلى جهة البقيع ـ حيث ترقد الزهراء ـ وقلتِ:
ـ ها قد رُدَّت الوديعة ـ يا أماه ـ إلى الأهل.
وانفجرت عيناك بالبكاء...
وأستأذنك هنا، لأزجي بعضا من عتاب أمام دمعتك اللؤلئية.
أتبكين يا سيدة النساء؟ وقد غدوت الكهف الحصين والملجأ الأمين لبنيّ وبُنيات من
تبقى من آل عبد المطلب؟
ويا تلك الدمعة النقية، كيف لك أن تحري مقلة:
سوادها: من كحل عيني فاطمة...
وضياؤها: من نور جبين علي...
كيف اجترأت على ذينك المحجرين اللذين تربيا على مرأى الدوحة الهاشمية؟ واحتضان
الصور العلية البهية؟
وكيف لك أن تفضحي ما اعتمل في تلك النفس الطاهرة من مشاعر خاصة بها، وهي مما يعاش
ولا يقال... حذر إجفال الكبرياء.
وأقدر لو عرفت من كان هناك ـ وقد عرفت ـ حين تقدمت العقيلة-اللبوة، إلى الطود
المنيخ أبي عبد الله الحسين، بعدما نالوا منه ـ ألا شُلَّت أيمانهم... وقد شُلَّت ـ
لأقلعتِ عن الجريان... واكتفيتِ بتطهير ذاتِك بمرأى تلك الكوكبة الملائكية: ترتل...
وتوحد، تبسمل... وتحوقل... مستبشرة برفقة تلك النفس الطاهرة المطمئنة التي خوطبت
بقول الله العظيم:
ـ [يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية...]
سيدتي زينب... أم العزائم.
وإنك إذ ضممتِ أخاكِ المضرج بالنور والعطر، فقد ضممتِ قامة طالبية، باركها رسول
الله... ونشَّأها أبو الحسن، ودَّللتها الزهراء...
كما قد لثمتِ خدا منضرا بهالة من ضياء الحق المنبعث من غار حراء... ومئذنة بيت الله
الحرام.
فيا لها من ضمة، أذبتِ فيها حنان الأخوة!! وجدَّدتِ حزنك على أمك قيثارة النبي...
وما كان حزنك التياعا، بقدر ما كان مناجاة... كما لم يكن وهنا، بقدر ما كان حمدا
وتصبُّرا، بدلالة ما توجهتِ به إلى الله سبحانه: ليتقبل قربانكم، آل البيت.
وكان القربان: جثمان سيد الشهداء ـ رضوان الله عليه ـ فداء وقربى. ويا له من قربان
مقدس تغبطه القرابين... دوَّت معه كلماتك نغمة رددتها الملائك: يا متقبل
القرابين... تقبلْ قربان آل نبيك.
وكيف لا يتقبله؟ وقد استشهد ثائرا لإحقاق حقه... وإعلاء كلمته... وصيانة شريعته.
وويل للظالمين... أي منقلب ينقلبون!!
وكم ينطق الواقع في قبول دعوتك، ومن دعا معك!!
بدلالة ما أنت عليه من القبول والرضى... عند الله، وعند الناس... فها أنت ملء عين
الزمان والمكان... ثقة وقداسة.
وما على الشاكِّ إلا أن يتطلع إلى حجاج مقامكِ المبارك، وأنت على بعد زمني يفوق
الثلاثة عشر قرنا: وفودا... وفودا، ومن كل حدب وصوب، ذكرانا وإناثا، ليلا ونهارا.
وليس في ضمائرهم إلا ذكركِ الطهور، ولا يتجدد في نفوسهم إلا التكريم والتقديس
لشخصكِ الكريم واسمكِ المبجل، وموقفكِ العظيم... وهم معجبون أشد الإعجاب بما يزين
صدر المقام من أوسمة يرونها مجلوة، وهي أوسمة لا ترى إلا بالإيمان.
تلك الأوسمة مهداة إليك من رضى جدكِ عنك، ومن أب يعتز بكِ، ومن أم تتهلل فرحا
لذكركِ، ومن آل يفتخرون بكِ، لما حققتِ من نجاح إسلامي-إنساني، وذلك حين قدمت
النموذج المثالي للمرأة المسلمة، القائدة العاقلة، وصرت فصلا من فصول السيرة
النبوية... تصل إشعاعاتكِ إلى إنساننا المعاصر ـ وبخاصة المرأة ـ رسالةً تحض على
العمل والمجابهة، حتى في أحلك الظروف بعيدة عن التواكل والتخاذل، وفي ثبات ويقين...
يتقدمها شوق الصبر إلى بشارته: [وبشِّر الصابرين].

سيدتي... ومولاتي:
وأستسمحك ثانية، لأتطلع بعين العارف إلى سجلك الذاتي، حسب تعبيرنا الحاضر...
وأستعرض منه بعض ملحوظات... لغاية سامية في نفسي... وأعدكِ: أن لا أقرأ منه إلا ما
يسمح به خازنه المؤتمن... وإذا ما كان للبيوت أسرار، فكيف بكنه الذوات؟؟
إلا أنني أقدر من زاوية أخرى، أنَّ ما يرشح من ذاتية ذاتيتك العظمى... يكفي لتتفيأ
به صحراء... وتتعطر من طيبه دنيا... وتستنير به أمم.
والدليل ما قمتِ به مما لا يزال يجد ويستجد... وسيبقى: صفحة مشرقة من صفحات الجهاد
في سبيل الله، ورسول الله، والدفاع عن الأب والأهل صيانة وأمانة... وإعلاء أمثولة
المرأة الملتزمة... فإذا كربلاء ـ كمثال مع الدليل ـ هي بفضلك: كل أرض في الدنيا
فيها ظلم وإجهاض للحق، ولا بد من التصدي والمثابرة... وأنت الأمثولة... وإذا
عاشوراء، هي ـ بفضل ما أحييتِهِ كل يوم يتعرض فيه طلاب الحق ومريدوه إلى مقاصل
الباغين، عبر كل زمان... ولا بد مع ذلك من التضحية والمواجهة...
وعلى هذا: فقد غدت كربلاء: دنيا... لا يفصلها حد ولا بعد...
وبات يوم عاشوراء: زمنا متجددا بذاته... عبر كل العصور.
فلله أنتِ!! ممَّا جُبِلتِ؟؟
وأقول:
لعل من أدرك حنين الصفحة الضيائية للنور تعكسه إشعاعا... أدرك شيئا.
ولعل من أدرك شوق الريشة المبدعة إلى اللوحة تنقل إليها سحر الفن إبداعا... أدرك
شيئا آخر.
ولعل من تفكَّر في أسرار الخلق يجعلها الله في من يشاء إعجازا، ولغاية يشاؤها...
أدرك شيئا مكمِّلا.
فمن هذه الأشياء وأمثالها العلية، مما عرفنا، ومما لا نعرف في تكوين أو تلوين ذات
واحدة: نتوجه إلى تصور خاص عما تكون عليه تلك الذات المتكونة من هذه الخصوصيات
المميزة... وسندرك عندها أننا أمام ذات تنبعث من مقومات ثلاثة، وهي:
ـ مقوم الروح... ويتضمن ما نوهت به قبل قليل من بعض أسرار الخلق.
ـ مقوم التربية والتأهيل... ويتضمن ما اكتسبته من بيت النبوة والإمامة... وهما أعلى
وأشرف ذروة بين الخلق.
ـ مقوم الإيمان بالمطلق... ويشمل الحافز الأساس لانطلاقة تبقى أمثولة للآخرين.
وعلى هذا فلا يستغرب الشيء من أهله.
ومن قبيل الاستزادة: سوف أدلل على سمات فارقة، هي غاية في الأهمية لدى البحث عن
أبعاد شخصية الحوراء زينب (عليها السلام)، وتتلخص بهذه الدرجات من الارتقاءات التي
أكتفي بتعداد ثلاثة منها، وهي:
ـ أولا: الارتقاء في عز المحنة والابتلاء إلى درجة التسليم لإرادة الممتحن الجبار،
وبكل الرضى والقبول... فلا تمنُّع ولا تفجُّع...
ـ ثانيا: الارتقاء في قلب الفجيعة إلى درجة التصبر والحمد من منطلق: لا رادَّ لقضاء
الله... وتحقيقا لرضاه مهما غلا الثمن... وهل أغلى مما كان عليه هنا؟؟ ومع ذلك فقد
عبرت السيدة عن صبرها وحمدها في منتهى الجلال والجمال، حين تقدمت بجثمان الشهيد ـ
رضوان الله تعالى عليه، ومن آل إليه ـ قربانا إلى الله واحتسابا لرضاه.
ـ ثالثا: الارتقاء في زحمة الخطوب التي كان أحد مشاهدها: أكثر من سبعين شهيدا من آل
البيت (عليهم السلام) دفعة واحدة... إلى سمو الموقف لتجسيد القدوة والمثال، فلم
ترهم السيدة المحتسبة إلا رجالا برزوا إلى مضاجعهم... وكذلك رأت الباقين من آلها
يتلوون جوعا وخوفا، ومع ذلك: لم تضعف ولم توهن بل ظلت في ارتقائها إلى مستوى الهدف
الذي قدَّرت من أجله ستكون وقعة كربلاء، فكظمت غيظها، وحوَّلت حزنها إلى معراج علٍ.

أجل...
أدركت العقيلة لفطرتها وتربيتها: أن الله قد خصَّ آل البيت بنعمة الابتلاء، ليتحقق
لهم في ما بعد إعلاء الشأن والكلمة، ما بقي الدهر، وهذا عين ما كان لجدهم الأكبر،
نبي الله وخليله إبراهيم (ع) حيث لم يجعله للناس إماما، إلا بعد أن ابتلاه بتلك
الكلمات... وأتمهنَّ.
فلنتمعَّن بخطورة الموقف، وعظمة التلقي الذي حوَّل رداء الأنوثة من موفور الدلال،
إلى رداء يستقبل كل أنواع الغلظة والقسوة واستفحال الطغيان. وتحوَّل معه الحس
المرهف، إلى صخرة صلدة، تتحمل وقع الصدمة، فتحيلها صدى.
فيا لذاك الصدر العامر بالقلب الطاهر... ينسج من أحلامه ترسا وسيفا، فمن رأى ترسا
وسيفا منسوجين من أحلام؟! ونعم... لتتقي فيهما غوائل لو نزّلن على جبل لتدكدك
الجبل...
وعلى هذا: من قال أن الريادة وقف على الرجال؟... ومن قال أن الحر يرضى بغير
الكبرياء؟
فهاهي السيدة زينب تقدم البرهان على ما تقدم، وتثبت أنها بطلة من طراز فريد، تجابه
أحداث كربلاء، وتواجه تداعيات عاشوراء... وتتلقى الصدمة تلو الصدمة... وهي متلفحة
بوشاح الصبر والإيمان... لا تنكفئ... تصدع بالحق... وتنبري لترد الإفك... وتلتقي
الطغاة في عقر دارهم: تفنِّد مزاعمهم، وتظهر كيدهم... وتقلب شماتتهم إلى خزي عليهم،
وتريهم صدق المقول في البليغ من الكلام.
لعمري... إن البطولة، في أي وقت كانت، ومن أيٍّ جاءت، هي إلى سالفاتها على نسب،
فكيف والبطولة هنا: من فلذة كبد؟ وعزمة ساعد؟
إنها والله من معدن واحد... هو معدن علي أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين... وما
من فارق: إلا أن عليا كان يمتشق (ذو الفقار)، وزينب لم تمتلك إلا ما قدمنا عنه مما
صنعته لنفسها: سيفا وترسا من غير معدن الحديد والفولاذ، وكم كانا قاطعين!!
فلله درُّ التي جاءت من رحم السمو!! ودرجت على خط مستقيم، مستديم شرفه لتكوِّن
لنفسها: خطا صاعدا تستقيم فيه الإرادة الإلهية، وإني لعلى يقين: لولا وجود هذا الخط
المستقيم الصاعد عبر الأجيال: لانتفت ديمومة الحق... وسادت كليا حلكة الباطل، إنما
تبقي الإرادة العلية على هذه السُّرُج التي لا تنطفئ ولا تنتهي فـُتـُلـُها... بل
تظل تلمع بما يكفي السارين لاستبيان سَمت الدروب.

ولن أنسى أن أنوه بالوسيلة التي استعاضت بها عن أدوات القتال... وأعني بها التعبير
البليغ الذي فلجت به حججهم وأخرست مقولهم، فظلَّ ما تفوَّهت به حيا مدويا يهز
الضمائر، ويتأثر فيه البعيد قبل القريب... وذي سمة من سمات الثورة المتفجرة في
نفسها، تعيشها واقعا لحظة بلحظة... مدركة لكل أحداث التاريخ، فلم تهدأ بعد خطاب
تزجيه هنا، إلا لتنطلق إلى خطاب هناك، وكأنها بلغتنا المعاصرة: تفجر قنابل
موقوتة... فتهز عروشا وطواغيت، بدءا من استرجاعها قول الله تعالى: [ولا يحسبنَّ
الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب
مهين]، وانتهاء بآخر خطبها في دور الظـَّلـَمة، ومواجهة الكـَذَبة. وأوثق قولي ببعض
عباراتها التي تنم عن ذاك الفيض الهادر من كلام بليغ وحجج دامغة، كقولها مخاطبة
حشود الكوفة، وهي ومن معها في موكب أسارى:
ـ أنى ترخصون قتل سليل خاتم النبوة؟ ومعدن الرسالة؟ وسيد شباب أهل الجنة؟... أتدرون
أي كبد لرسول الله فريتم؟... وأي كريمة له أبرزتم؟... وأي حرمة له انتهكتم؟... لقد
جئتم شيئا إدَّا تكاد السماوات يتفطرن منه وتخر الجبال هدا. ولقد جئتم بها خرقاء
شوهاء، كطلاع الأرض وملء السماء... أفعجبتم أن مطرت السماء دما؟ ولعذاب الآخرة
أخزى، وهم لا ينصرون.
وفي مجلس يزيد تقول عندما رأت رأس الحسين:
ـ وا أخاه... وا حسيناه... يا ابن محمد المصطفى... ويا ابن علي المرتضى... ويا ابن
فاطمة الزهراء... أهكذا يصنع برأسك يا حبيب رسول الله؟!
وتسترسل في خطب متفرقة... نقتطف منها:
ـ أظننتَ يا يزيد... حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما
تساق الأسارى: أن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة؟ فمهلا مهلا، لا تطش جهلا...
أنسيت قول الله تعالى: [ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم... إنما
نملي لهم ليزدادوا إثما، ولهم عذاب مهين].
ـ والله ما فريتَ إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك... ولتَردنَّ على رسول الله بما
تحمَّلتَ من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في ذريته ولحمته. حيث يجمع الله
شملهم، ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم.
ـ أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟ قد
هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل
المناهل والمعاقل... ويتصفح وجوههنَّ القريب والبعيد؟
ـ اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.
ومن صرخاتها:
ـ إني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك... لكن العيون عبرى، والصدور
حرى... ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء!!
وهكذا... يا وريثة أمها الزهراء... وجدتها خديجة الكبرى... ينقلك الخط المستقيم من
كنف بيت أعز من عمر البيوت على قلبك... وأغلى من وقع عليه نظرك من الرجال، وارتضيت
به بعلا كفئا... وهو بيت عبد الله بن جعفر الطيار... إلى حيث حطت رحال الإمام
الحسين (عليه السلام)، قائدِكِ إلى حيث ارتضى القيادة إلى نفسه وبنيه... وهذه نتيجة
من يرتضي ما قسمت مشيئة الله سبحانه... لشهادة الحسين نفسه، حين ردَّ على ابن عباس
(وقد أشار عليه بعدم الخروج إلى العراق)، وقال:
ـ شاء الله أن يراني قتيلا... ويراهنَّ سبايا.
وحين استكمل ابن عباس مشورته بتساؤل للإمام:
ـ ما معنى حملك لهؤلاء النسوة؟ أخشى أن يصيبك ما أصاب عثمان، فتقتل ونساؤك ينظرن
إليك.
وجاء دورك الأبرز هنا، لتكتمل سياقة الخط المستقيم، فتعليها مدوية ومن خلف الستار:
ـ من هذا الذي يشير على شيخنا وسيدنا أن يتركنا ويرحل عنَّا؟ لا والله... بل نحيا
بحياته، ونموت بمماته.
الله... الله يا حوراء!!
لقد وضحت الحجج... ورُفعت الدرج... وعلم المتلقي: أن اختيارك للموقف كان عن فهم وعن
قصد... لا بل تدركين أن الأمر مفض إلى الموت... لكن تدركين أيضا: أن ما وراء الموت
هنا أهم وأعظم... وعلى هذا سيان ألف سيان: ما ينم عليه الأمر، بعدما صح اليقين...
وتكشَّف لك ما وراء الأكمة.
وهاهي يمينك ترفع راية نصرة الحق والمستضعفين... منذ اللحظة التي جنَّدتِ لها نفسك
وبعض بنيك... ومن بعدُ تجندين الناس إلى صفوف الثورة التي جعلتك منارتها... وما
تزالين: قبلة الزائرين... ورجاء السائلين. ناهيك عما يفيض من المقام الطاهر من بركة
وقداسة يتلمسهما المتبركون... وسبحان الواهب العظيم!! ربك رب العزة عما يصفون،
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.