مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر
3. كلمة الأستاذ الدكتور عبد القادر الكتاني – رئيس مجلس الأمناء بمركز الدراسات العربية والإسلامية

[[ الطاهرة البتول والثبات على الحق ]]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي المصطفى الأمين المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه الأكرمين.
أيها الإخوة والأحبة ضيوفا ومحتفلين...
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته...
وبعد فالحديث عن معقل الشهادة والشهداء العقيلة الهاشمية الطاهرة السيدة زينب (ع)، حديث ذو شجون وعبر تاريخية قل نظيرها، إذ لم يحدثنا التاريخ كثيرا عن عظيمات النساء اللاتي صنعن التاريخ ووقفن مواقف بطولية كان لها أثر كبير في تاريخ الحضارة البشرية، ولم يكن ذلك انحيازا من المؤرخين الرجال لبني جلدتهم من الذكور، وإنما لقلة العظيمات من النساء في التاريخ، وذلك مصداقا لقول الرسول الكريم (ص): "كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا قليل..."، وكانت هذه العقيلة الهاشمية واحدة من اللاتي تركن بصمة لا نظير لها في تاريخ الحضارة الإنسانية، ولا أدري من أين أبدأ الحديث عن هذه البتول الطاهرة، أأحدثكم عن كونها أكثر امرأة في التاريخ ابتليت باستشهاد أكبر عدد من أقاربها المقربين؟ أأقول لكم إنها بنت الشهيد وأخت ستة من الشهداء وعمة خمسة وأم لواحد من هؤلاء الأبرار الأطهار؟ أأحدثكم عن جدها النبي المختار (ص) أم عن والدها الإمام الكرار أم عن أمها سيدة الأطهار التي قال عنها النبي العدنان (ص): "فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني" فهي إذن بضعة البضعة؟ أم أحدثكم عن مدى افتقادها لأمها وهي طفلة دون السادسة من عمرها ثم معاناتها الشديدة باستشهاد والدها ثم ثكلها باستشهاد ابنها وإخوتها وأبناء إخوتها؟ أم أحدثكم عن المرأة التي فاقت صناديد الرجال بتحملها وصبرها لما لاقته من الأهوال؟
إنها المرأة التي صمدت وصبرت ورفضت الاستسلام للذل والقهر والطغيان، ألم يسأل أحدنا نفسه: "من أي طينة جبلت هذه السيدة العملاقة؟" لا شك أنها من معدن النبوة، ومن كرام سيدات آل البيت الأطهار، إنها الشريفة الطاهرة رمز العفة والصبر والطهر والاقتدار عقيلة آل هاشم البضعة المحمدية التي حولت الهزيمة إلى أكبر انتصار تحققه امرأة ثكلى أسيرة في تاريخ البشرية جمعاء.
لقد حققت الألماسة المحمدية في أسرها ما لم تستطع الجيوش الجرارة تحقيقه، إذ قلبت موازين القوى ونقلت الهزيمة والحزن والمأساة لمخدع السفاح الذي ظن أنه بقتل أخيها سيد الشهداء الحسين وبقية الأسرة الطاهرة، سيطمس النور النبوي وينفرد بالعز والسؤدد، فاستطاعت الطاهرة البتول بصبرها وإيمانها أن تنقل حزنها وهمها إلى أقرب المقربين منه، استطاعت أن تقلب السحر على الساحر، وتمكنت بذلك من أن تجتث الظالم والظلم والقهر والاستبداد وأن تجعل التاريخ يلعن الظلمة والجبناء والمستبدين، ويخلد ويقدس الشجاعة والشجعان وأصحاب المواقف الأصيلة الثابتة، فكانت مع أخيها الحسين (ع)، من أوائل من أسس لثقافة المواجهة مع الطغاة والمستبدين بتعرية الظالم وبذر بذور النقمة عليه وعلى الطغاة أينما كانوا ليحمل الإنسان على مر الأزمان حرية الرأي والعقيدة بشجاعة وتفان. إن ما قامت به ألماسة آل البيت الكرام من شجاعة في المواقف المبدئية نفتقر إلى معشار معشاره في كثير من زعاماتنا وقياداتنا في العالمين العربي والإسلامي، هذه الزعامات التي تترامى على أقدام الطاغية العالمي والمحتل الغاصب، وما أشبه الليلة بالبارحة، هذا الطاغية الذي يريد أن يفرض هيمنته وعولمته وثقافته ومنهجيته على العالم أجمع، وكم رأينا وكم سمعنا عن زعامات قدمت آيات الذل والتخاذل لكسب ود الطغاة الجدد ومن يدعمهم ظنا من هذه الزعامات أنها بذلك تثبت كراسيها الكرتونية، وقد نسوا أو تناسوا ما حل بشاه إيران اللعين الذي لم تستطع قوى الاستكبار العالمي حمايته من ضربات إخواننا المجاهدين في إيران، نعم إنهم إخواننا لا أصدقاؤنا، هم إخواننا وتلاميذ وأتباع هذه الحورية المحمدية التي كانت نبراسا لجميع أبناء الشعب الإيراني الشقيق ليقفوا في وجه طاغية صعلوك من أقزام الطغاة المعاصرين.

أين أنت يا سيدتي وسيدة كل حر شريف يرفض الذل والهوان؟ أين أنت اليوم لتعلمي كبار القادة أسس الشرف والكرامة الوطنية والثبات على المبدأ والحق؟ أين أنت يا ملهمة الرجال؟ أين أنت يا سيدة العظماء الأخيار؟ لقد كانت الطاهرة الهاشمية مثلا أعلى لكل مجاهد ضد الظلم والعجرفة والاستكبار، لقد كانت النجمة المحمدية قدوة لكل مجاهد في كل مكان من العالم، لقد كانت نبراسا لإخوتنا في جنوب لبنان، وفي فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان. إننا نناشد أبناء أمتنا جميعا للسير على خطى هذه المجاهدة العملاقة، وأن يكون احتفالنا هذا حافزا لأمهات والبنات والرجال للارتفاع إلى مستوى التحديات، وإنني أتوجه بحديثي الآن إلى كل العلماء والشرفاء ورجال الفكر والدين المؤمنين المتنورين ليقفوا صفا واحدا في وجه الظلم والطغيان، وأن يقفوا إلى جانب المظلوم والمسحوق والمطرود من وطنه وأرضه وأهله والمهدد بأمنه وذلك بتجاوز خلافات الماضي التي لا فائدة ترجى من اجترارها ومن ثم عدم التعرض لرموز المذاهب والطوائف الدينية الفكرية لأن هذا المساس يوغر صدور أتباعهم مما يساهم في زيادة الفرقة، ولسان حالنا ينبغي أن يكون: "نتباحث في ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا في ما اختلفنا فيه" وأقترح لذلك تشكيل لجان علمية من متنوري ومعتدلي علماء الأطراف كافة لدراسة الخلافات ومحاولة التقريب بين وجهات النظر ما أمكن إلى ذلك سبيلا، مؤكدا على ضرورة التلاحم والتكاتف والتآزر، لنتمكن من صد هذه الهجمة الاستعمارية البربرية الجديدة التي تقلب الحق باطلا والباطل حقا.
كان الله في عوننا وعون إخواننا من الأحرار والشرفاء في العالم أجمع، وأختم كلامي
بقول البارئ عز وجل في كتابه الكريم: [إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي
القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي]، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.