مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر

11. كلمة الأستاذ محمد علي يونس - الموجه الاختصاصي السابق للغة العربية في طرطوس – وفد طرطوس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، وبعد:

فإني أحييكم أطيب تحية، وأشكر للأخ الفاضل والنطاسي البارع الدكتور عصام عباس دعوته الكريمة لي، كي أشارك في المهرجان الولائي الرابع عشر، المقام في دمشق في ذكرى مولد العقيلة الهاشمية السيدة زينب (ع)، في الخامس من  شهر جمادى الأولى كل عام، المصادف للحادي عشر من حزيران لهذا العام. وزينب هذه بنت أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر الميامين علي بن أبي طالب (ع)، وجدها سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد بن عبد الله (ص)، ووالدتها بضعة النبي محمد وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، وهذا ـ لعمري ـ نسب ينطح النجوم بروقيه، ويحوز الشرف من جانبيه:

نسب كأن عليه من شمس الضحى             نورا ومن فلق الصباح عمودا

ولقد أتيح لي زيارة مقامها الشريف في دمشق والقاهرة، مرات ومرات، فرأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، رأيت الناس يفدون إلى المقام الشريف زرافات ووحدانا فيكون جمع حاشد لا مثيل له إلا ما شاهدته في مقام الإمام علي الرضا (ع) في مدينة مشهد المقدسة التي تشرفت بزيارتها منذ عامين تقريبا بدعوة مشكورة من سفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق. ولا غرو في أن يكنَّ المسلمون للسيدة زينب (ع) كل الحب والاحترام والإجلال والإعظام، لأنها تمثل في نظرهم وفي الحقيقة القيم الروحية والإنسانية التي جاء بها جدها رسول الله (ص)، كما تمثل القيم التي استشهد من أجلها والدها أمير المؤمنين علي (ع)، وأخوها سيد الشهداء الإمام الحسين (ع)، وسائر الشهداء الأبرار من أهل البيت النبوي الشريف، وهي قيم الإيمان بالله الواحد الأحد، قيم الإيمان بالحق والعدل، قيم الحرية والمساواة، قيم المحبة والتسامح، قيم الخير والفضيلة، قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وبهذه القيم السامية قامت للعرب، ولأول مرة في تاريخهم، دولة شملت الجزيرة العربية كلها، وشملت مناطق واسعة من قارتي آسيا وأفريقيا، خلال وقت قصير، لا يتجاوز عشرات السنين.

بيد أن المسيرة الإسلامية أصيبت بنكسة شديدة عندما صرف الحق عن أهله، وعطل مبدأ الشورى في الحكم، وأصبحت الخلافة فيها ملكا كسرويا وقيصريا، بل فرعونيا، إرادة صاحبه قانون، ومشيئته نظام، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وجاءت الطامة الكبرى بمجيء يزيد بن معاوية خليفة للمسلمين، وهو رجل غارق في اللهو والمجون... ونظرة واحدة في كتاب مروج الذهب للمسعودي تكفي لمعرفة الكارثة التي حلت بالإسلام والمسلمين على يد هذا المعتدي الأثيم، العتل الزنيم... وإنه لمما يحز في النفس أن يعمد هذا المتسلط الماجن إلى إجبار أبناء الصحابة، وفي مقدمتهم سبط رسول الله (ص) وسيد شباب أهل الجنة على مبايعة يزيد، والسير تحت لوائه، لواء اللهو والمجون، والبعد عن كل ما هو إسلامي أو خلقي، وهيهات أن يبايعه الحسين على لهوه ومجونه، هيهات من الحسين الذلة، هيهات منه الذلة، كما قال الحسين (ع). وعندما لم يجد الحسين بدا من الخروج على يزيد، عملا بوصية جد الحسين محمد بن عبد الله (ص) حيث يقول لحفيده الحسين ولكل مسلم ومسلمة: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، ولن يكون الحسين في صف من هو أضعف الناس في الإيمان، وإذن لم يجد الحسين (ع) مندوحة عن  الذهاب إلى العراق، لا سيما بعد أن بايعه أهل الكوفة على يد ابن عمه مسلم بن عقيل، وبعد أن وصل منهم آلاف الرسائل يستعجلونه فيها، ويستحثونه على القدوم إلى العراق، ويعدونه فيها بالنصر والتأييد، ومن أراد الاطلاع على هذه الرسائل فليعد إلى كتاب الإرشاد للشيخ المفيد، وهو من أعلام القرنين الرابع والخامس الهجريين.

ونحن الآن لا نريد أن ننكأ الجراح بالوقوف عند فصول مأساة كربلاء، وهي مأساة لم يعرف التاريخ الإسلامي مثيلا لها في هولها وفظاعتها ووحشيتها... جرتها ثارات بدرية وأحقاد جاهلية، وقد استشهد فيها الإمام الحسين (ع) واستشهد معه عشرون من أهل بيته، وخمسون من أصحابه، بعد أن ضرب هو وسائر الشهداء أروع الأمثلة في الصبر والشجاعة والفداء.

وكانت السيدة زينب (ع) صاحبة هذه الذكرى رفيقة أخيها الحسين (ع) في ذهابه إلى العراق، إدراكا منها لخطر المهمة التي ندب الحسين نفسه له، وعملا بوصية والدتها الزهراء لها: (لا تتركي أخويك وكوني لهما أما بعد أمهما)، وهكذا كانت العقيلة الهاشمية زينب (ع)، كانت مثالا للبر والوفاء لوالدتها الزهراء ولأخويها الحسن والحسين بعد أمهما. فما دور السيدة زينب (ع) في أحداث كربلاء؟ ولمَ سماها بعض الباحثين بطلة كربلاء؟ التاريخ يقول، والحقيقة تقول: إنها كانت بطلة عظيمة، ولكن بطولتها لم تكن بطولة سيف وسنان، بل كانت بطولة عقيدة وإيمان، فعندما استشهد الحسين رفعت يديها قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان)، وفي أثناء المعركة كانت تضمد الجرحى وتواسي المحتضرين وتنقذ من بقي من تلك المجزرة من أيدي الطغاة المجرمين. وبفضل شجاعتها وتضحيتها نجا ابن أخيها علي بن الحسين زين العابدين (ع)، ولولا موقفها الشجاع من أولئك الأوغاد لانقرض نسل الإمام الحسين بعد تلك المجزرة الرهيبة!

أما دورها الأهم فكان بعد فاجعة كربلاء، وقد تمثل هذا الدور في حمايتها لابن أخيها زين العابدين (ع) كما ذكرنا، وكذلك في إنقاذ سائر نساء آل البيت ممن حضر كربلاء، من جند عبيد الله بن زياد في الكوفة، ومن جند يزيد في الشام. وتمثل دورها الأبرز والأخطر من ذلك كله في خطبها البليغة، التي صفعت بها الطغاة في وجوههم، فكان لها أبلغ الأثر في تأليب الرأي العام عليهم، وفي التعجيل بنهايتهم. وفي ما يلي بعض ما جاء في خطابها لأهل الكوفة بعد عودتها إليها من كربلاء، قالت السيدة العقيلة العالمة الهاشمية زينب بعد حمد الله والصلاة على جدها رسول الله (ص) وأهل بيته الكرام: (أما بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والغدر، أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا سكنت الحسرة، أتبكون وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا، كل ذلك بانتهاككم حرمة ابن خاتم الأنبياء وسيد شباب أهل الجنة، ألا بعدا لكم وسحقا، فقد خاب السعي وخسرت الصفقة وتوليتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة. أتدرون ـ ويلكم يا أهل الكوفة ـ أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي دم سفكتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدا، تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا).

فهل هناك كلام أبلغ أو سياط أوجع من هذا الكلام الذي يوهي الصم الصلاب، ويشق القلوب قبل الجلود؟! وهل نعجب بعد هذا الكلام ألا تمضي سنوات أربع على حادثة كربلاء حتى تقوم في الكوفة حركة التوابين ثأرا لشهداء كربلاء.

أما خطبتها في الشام فجاءت في طولها أضعاف خطبتها في الكوفة، ولكنها جاءت صنوها في بلاغة التعبير وشدة التأثير، ومما جاء في هذه الخطبة الرائعة قولها ليزيد بعد حمد الله والصلاة على رسوله وأهل بيته الكرام: (أظننت يا يزيد ـ حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ـ أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسرورا، فمهلا مهلا، لا تطش جهلا، أنسيت قول الله عز وجل: [ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، ولهم عذاب مهين]، فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من سفك دماء ذريته، وانتهكت من حرمته، وحسبك بالله حاكما، وبمحمد خصيما، وسيعلم من سول لك، ومكنك من رقاب المسلمين أيكم شرا مكانا، وأضعف جندا. فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت حقنا، ولا يرحض عنك عارها،... وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد؟).

فأي تصوير لغرور يزيد يوازي هذا التصوير، وأي تحقير له يضاهي هذا التحقير؟ وأية جرأة في مخاطبة الطغاة تعدل هذه الجرأة؟ إنه كلام دونه طعن السنان ورشق السهام وضرب الحسام! والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر كما يقولون.

ويقول التاريخ: إن السيدة زينب (ع) انتقلت إلى رحمة الله في منتصف رجب عام 65 هـ عن ستين عاما، ويختلف المؤرخون في مكان دفن جثمانها الطاهر، فمن قائل: إنها دفنت في دمشق حيث مقامها المعروف، ومن قائل: إنها دفنت في القاهرة المعزية بمصر، ولكن هذا الخلاف لا يقدم ولا يؤخر شيئا في مكانتها ومنزلتها في نفوس المسلمين، لأنها موجودة في قلب كل مسلم ومسلمة، ممن هم على معرفة بحق السيدة زينب (ع) وأهل بيتها الكرام.

أيها الحفل الكريم...

في هذه الظروف العصيبة التي يعربد فيها الغزاة الصهاينة في فلسطين، قتلا وإرهابا وتهديدا للمسجد الأقصى، وتدنيسا للقرآن الكريم، واعتداء على الأنفس والأموال والثمرات... فعل أسيادهم المستعمرين الجدد الذين يعيثون فسادا في أفغانستان والعراق وغيرهما من بلدان العرب والمسلمين بدعوى مكافحة الإرهاب ونشر الحرية والديمقراطية، وهم أخطر الإرهابيين وألد أعداء الحرية والديمقراطية... إننا في هذه الظروف العصيبة التي تتوالى فيها تهديدات الأعداء لنا صباح مساء إن لم نرفع لهم الراية البيضاء... إننا في هذه الظروف أحوج ما نكون إلى الاقتداء بأبي الشهداء الإمام الحسين بن علي (ع) في جهاده واستشهاده، والاقتداء بأخته عقيلة الهاشميين السيدة زينب (ع)، الاقتداء بهما في الإيمان بالله تعالى، وفي الدفاع عن الحق والعدل، وفي محاربة البغي والعدوان، وفي التحلي بالشجاعة في القول والعمل، وفي الاستعداد للشهادة من أجل القيم التي استشهد من أجلها أهل البيت الكرام. إننا ـ إن فعلنا ذلك ـ سننتصر على أعدائنا إن شاء الله، لأن الله تعالى وعدنا بالنصر إن كنا مؤمنين، قال تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم]، وقال تعالى: [ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين]، والله لا يخلف الميعاد، ومن أصدق من الله قيلا؟ ولنختم كلمتنا بقول أمير المؤمنين علي (ع): (الموت في حياتكم مقهورين، والحياة في موتكم قاهرين)، جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه سميع مجيب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.