مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر

10. كلمة الأستاذ المهندس إبراهيم عباس - عضو سابق في مجلس الشعب من السلمية

بسم الله الرحمن الرحيم

أيتها الأخوات والإخوة الحضور...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد عليه الصلاة والسلام، وآله الطاهرين.

نحتفل اليوم بمولد العقيلة زينب، زينب الكبرى الحوراء أم كلثوم، خريجة مدرسة أبيها الإمام علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه.

تربت في بيت الحكمة، وتحلت بالمزايا العاطرة. أخذت طفولتها من بيت الكرم والعلم والفضيلة، فكانت كالزنبقة الناصعة تحت القطرة الهاطلة، فنمت في هذا البيت الكريم، بيت الشرف والورع وقوة الإيمان وصلابة العقيدة.

السيدة زينب الكبرى إذ لها أشرف نسب وأسمى حسب وأكمل نفس وأطهر قلب، فهي عقيلة الوحي وربيبة بيت النبوة وريحانة الإمام علي وشقيقة شبليه الحسن والحسين (ع)، وهي رمز الحق ورمز الجهاد في سبيل الله ورمز الاحتفاظ بالمبدأ والعقيدة ورمز الشجاعة والبلاغة، وهي مثال الزهد والورع والعلم والعفاف والشهامة، فالعقيلة الطاهرة منار تهتدي به النفوس لتتحلى بالأخلاق الفاضلة.

السيدة زينب الكبرى حفيدة الرسول (ص) هي أول سيدة في دنيا الإسلام، صنعت التاريخ، وأقامت صروح الحق والعدل، ونسفت قلاع الظلم والجور، وسجلت في مواقفها المشرفة، شرفا للإسلام وعزا للمسلمين على امتداد التاريخ.

لقد أقامت سيدة النساء صروح النهضة الفكرية، ونشرت الوعي السياسي والديني في وقت تلبدت فيه أفكار الجماهير وانحدرت.

لقد ورثت العقيلة من جدها الرسول (ص) ومن أبيها الإمام علي أمير المؤمنين (ع) جميع ما امتازا به من المثل الكريمة، والذي كان من أبرزها الإيمان العميق بالله تعالى.

وقد روى المؤرخون عن إيمانها صورا مذهلة، كان منها أنها صلّت ليلة الحادي عشر من المحرم، وهي أقسى ليلة في تاريخ الإسلام، صلاة الشكر لله تعالى على هذه الكارثة الكبرى التي حلت بهم والتي فيها خدمة للإسلام ورفع لكلمة التوحيد.

وكان من عظيم إيمانها وإنابتها إلى الله تعالى أنها في اليوم العاشر من المحرم وقفت على جثمان أخيها، وقد مزقته سيوف الغدر والكفر ومثلت به، فقالت كلمتها المشهورة الخالدة التي دارت مع الفلك وارتسمت فيه: (اللهم تقبل هذا القربان، وأثبه على عمله). إن هذا الإيمان هو الباقي وهو الخالد إلى يوم الدين، وليس في العالم الإسلامي من يستطيع أن يقول كلمة الحق ويغير مجرى التاريخ غير سبط رسول الله (ص) وريحانته ووارث مثله الإمام الحسين (ع) ففجر ثورته الكبرى التي أعز الله بها الإسلام وجعلها عبرة لألي الألباب تمد المسلمين على امتداد التاريخ بالعزة والكرامة، والتمرد على الظلم، ومصارعة الطغاة، ومناجزة المستبدين.

لقد كانت ثورة الإمام الحسين (ع) من أهم الثورات الإسلامية التي عرفها التاريخ الإسلامي، لقد هزت الضمير العالمي وذلك بصورها المروعة ومآسيها الخالدة في دنيا الأحزان، كما أنها تحمل عطاء فكريا ودروسا مشرفة لجميع شعوب العالم لإنقاذها من ويلات الاستعمار والاستعباد، وستبقى حية مشرقة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

ساهمت حفيدة الرسول (ص) السيدة زينب (ع) في الثورة الحسينية وشاركت في جميع ملامحها وفصولها، مشاركة إيجابية وفاعلة، فقد وقفت إلى جانب شقيقها في أول مرحلة من مراحل جهاده وهي على علم لا تخامره أدنى شك في شهادته، وما يجري عليه وعليها من صنوف الكوارث والخطوب. أخبرها بذلك أبوها الإمام أمير المؤمنين باب مدينة العلم كما أسر إليها بذلك أخوها الإمام الحسين (ع) فانطلقت سلام الله عليها بإرادة وعزم وتصميم إلى مساندة أخيها ومشاركته في ثورته الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ وأمدّت العالم الإسلامي بجميع عوامل النهوض والارتقاء.

لقد آمنت حفيدة الرسول (ص) بثورة أخيها أبي الأحرار، وجاهدت جهادا لم يعرف التاريخ مثله في مرارته وأحزانه، وتبنت جميع مخططات الثورة وأهدافها، وهي التي أبرزت قيمها الأصيلة في خطبها التاريخية في أروقة الحكم الظالم، فبلورت الرأي العام، وأوجدت وعيا أصيلا كانت من نتائجه الثورات الشعبية المتلاحقة التي أطاحت بالحكم والظلام، فالحسين وزينب مدرسة التقوى في الكون كله أساسا ومنهجا ومسيرة. من هنا أنشأ الحسين ثقافة التضحية والمقاومة، وأنشأت زينب ثقافة الصبر والحكمة، بأداء مميز وفريد، فأخذ منهما العالم كله كيف تبني الأمم عزتها وكرامتها وحريتها واستقلالها وديمقراطيتها من أسس هذه المدرسة الكونية المرجعية الإلهية المستمرة دائما، التي انتشر تأثيرها إلى باقي الأمم، فهذا غاندي يقول: (تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر). إن أعظم خدمة تؤدى للأمة وأكثر فائدة عليها، هي إبراز القيم الفاضلة والمثل العليا لأهل البيت (ع) وإشاعة فضائلهم ومآثرهم بين الناس، فإن لها التأثير المباشر في نشر الفضيلة، وتهذيب الأخلاق وتنمية السلوك نحو الأفضل، فإنهم سلام الله عليهم أشعة من نور الله في كلامهم وسيرتهم وسلوكهم، وهم سفن نجاة هذه الأمة. إن حياة أهل البيت مدرسة من مدارس التقوى والإيمان والجهاد والكفاح، فقد وهبوا حياتهم لله تعالى وأخلصوا كأعظم ما يكون الإخلاص له. ومن بين أهل البيت الذين رفعوا كلمة الله عاليا في الأرض سيدة النساء زينب، فهي أول سيدة مجاهدة في الإسلام. إن السيدة زينب (ع) بمواقفها البطولية وكفاحها المشرِّف ضد الظلم والطغيان، يجب أن تكون قدوة لجميع السيدات من المسلمين.

في الختام أرجو أن أكون قد قدمت في كلمة موجزة عن حفيدة النبي (ص) بعض فروض المحبة والولاء لأهل بيت النبوة، الذين فرض الله مودتهم في كتابه الكريم بقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) صدق الله العظيم، والسلام عليكم.