مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر

1. كلمة الافتتاح للدكتور عصام عباس - مقيم المهرجان:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وآله الأطهار وإخوته أنبياء الله الأبرار وصحبه المنتجبين الأخيار...

السيد ممثل السيد وزير الثقافة – السادة السفراء – السادة أعضاء مجلس الشعب – السادة علماء الدين الإسلامي والمسيحي الأفاضل – السادة الأدباء والعلماء – أيتها السيدات أيها السادة الحضور جميعا.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وأرحب بكم أجمل ترحيب في مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي الرابع عشر الذي يتزامن هذا العام مع ذكرى رحيل رمز العرب وعز أمجادهم القائد الخالد حافظ الأسد طيب الله ثراه وأدعوكم بداية لقراءة سورة الفاتحة على روحه الطاهرة...

أيها السادة – أيتها السيدات

قراءة التاريخ بدقة ووعي ليست مهمة المثقف أو رجل الدين فحسب بل هي مهمة ُ كلِ إنسان مهما شغلته الدنيا بهمومها ومتاعبها، لأن في القراءة وصفة طبية نفسية تبعد الكرب وتعدل المزاج. وقراءة التاريخ تقرب الإنسان من الواقع الذي قد يفتقده في المراحل الحرجة والظروف الصعبة. وتاريخ أمتنا حافل بكثير من الأحداث والشخصيات التي تبوأت قيادة الأرواح وتملكت العقول والطاقات والتي تعد مدارس للأجيال ومؤسسات بناء مجتمعات قد تخلو من التلوث الفكري والخلل العقائدي. فخلق المولى نور الأنبياء والقديسين الذين أنجبوا من ذرياتهم أنوارا حاول ويحاول أعداء الإنسانية ان يطفئوها ولكن الله أبى إلا ان يُتمَّ نوره ويبقى هذا النور متوارثا جيلا بعد جيل مواجها ظلام الجهل وعنجهية الأشقياء بنور العلم ومصداقية الأولياء فكان العلم نورا والجهل ظلاما. والأمة التي لم تقرأ تاريخها قراءة واعية يتفشى جهل أشقيائها في صفوف مجتمعاتها وتصبح أمة مهمشة بين أمم المعمورة لا حول لها ولا قوة. من هنا تصرف الأموال الطائلة من حكومات الضلال لإفشاء الجهل ونشر ثقافاته بأشكال مختلفة وإبعاد المجتمعات عن بصيص نور العلم ونهيها عن قراءة التاريخ باعتباره مرحلة مرت وانقضت وإشغالها بالترف والمجون وتوظيف التكنولوجيا في خدمة هذه الأغراض والخوف من الماضي وإن كان مشرفا والذي يعد دروسا توجيهية وطرقا تنويرية في زمن يعج بأحداث الانحراف وغطرسة القوة وتشويه الفكر ونشر ثقافة اللامبالاة وما عليك إلا أن تعيش يومك وتنعم بملذات دنياك وتحافظ عليها وكأن الدنيا هي أكل وشرب وتكديس. وكذلك تعمل مرجعيات الضلال التي تتحدث بالدين والمبادئ والقيم والتي تجتمع على نشر ثقافة الحقد والبغض والكراهية وبث سموم الطائفية التي تتنكر لكافة الأديان السماوية وتكفِّر الآخرين وتهدر دمائهم دون ذنب بحماقات متنوعة تنتشر في كل بقاع المعمورة.

 واجتماعنا اليوم هو لأجل أن نحيي أنفسنا بذكرى ولادة نور من أنوار الله، واحدة من الشخصيات العظيمة التي أُنجبت ببيت احد أنبياء الله سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله(ص) يوم الخامس من شهر جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة.

السيدة التي تشرفت دمشق باستقبالها قائدة فكر وناشرة نهج وباعثة طمأنينة لنفوس أتعبت بجهل الطغاة وانحرافهم وارتدادهم فابتليت الأمة بشعوذتهم وتفككت بجهالتهم فصنعوا دين الجاهلية من جديد وحاربوا نور الأنبياء واقتصوا من نور نبي الرحمة محمد بظلام أحقادهم وشركهم الباطن والظاهر ونفاقهم فهددوا يومها بيت النبي الأكرم وصبوا جل أحقادهم ونفثوا بغض سمومهم بشعارهم الذي روته كتب التاريخ وأنقله من تاريخ الطبري:

لست من خندف إن لم انتقم              من بني أحمد ما كان فعل
ولعت هاشــــــــم بالملك فلا             خبـــــر جاء ولا وحي نزل

أولئك هم قتلة الأنبياء، قتلة النبي محمد (ص) يوم قتلهم الفكر النبوي والمنهج المحمدي سبط النبي وسليله الإمام الحسين(ع) الذي قال جده النبي الأكرم فيه (حسين مني وأنا من حسين)، هؤلاء الذين أفسدوا في الأرض وقطعوا رحم النبي فلعنهم الله واصمهم وأعمى أبصارهم ولعنهم التاريخ فكانت صفحاتهم فيه سوداء مظلمة. فجاءت السيدة زينب إلى دمشق تحمل المنهج والفكر لتبدد الأوهام وتحطم الأصنام وترفع من دمشق صوت الحق ونداء الصدق وتبلسم الجراح وتهدئ النفوس، جاءت إلى دمشق عالمة بعلم الأنبياء ووريثة فقههم فبثت بمصداقيتها ورباطة جأشها وعمق معرفتها وبلاغة ثقافتها وسداد رأيها من خلال بيانها الصادق وإعلامها الناطق دروسا تربوية قطعت لسان الظلم ومنحت الخلق دروسا في الطاعة والتربية والسلوكية والمنهجية في المثول لإرادة الله تعالى وإحقاق كلمته وكبح إرادة الباطل وإزهاقها إلى غير رجعة وان تظاهر الباطل بانتصار مزيف ووقتي جلب له العار الدائم ويجلب العار كله على أتباعه والمروجين له والمتسترين عليه والمدافعين عنه بأشكال مختلفة وطرق شتى.

فنشرت السيدة زينب ببيانها الدمشقي الشهير أسس الإصلاح التي خرجت وأخيها الإمام الحسين من اجله بنهضة نعيشها كل حين من خلال:

-إصلاح الاعوجاج الذي خرق مسيرة الرسالة السماوية التي جاء بها سيدنا محمد خاتم الأنبياء وكل القوانين التي سنها رسول الله(ص).                                      

- إصلاح النظام السياسي الذي أنشأ الارتداد عن الدين الحنيف وأسس البغض والكراهية لما أوصى به النبي الأعظم كتاب الله وعترته، فهمش كتاب الله وقتلت العترة وأسس أساس البغض على آل النبي بقرار ظالم وارتداد سافر تناولته كتب التاريخ بإسهاب فخاطبت الحاكم الجائر والمرتد بشفافية لغة كتاب الله عزوجل فثبتت بإيمانها المطلق لغة السماء وعلمت الظالم بان الحق لايمكن ان يعلى عليه مهما تمكن الظلم من السيطرة التي يوهم ذاته بها ولكنها استصغرته واستحقرته ووبخته وهددته بوعد الله تعالى الذي لا مفر منه فكد كيدك واسع سعيك فوا لله لاتمحو ذكرنا ولاتميت وحينا وما أيامك الاعدد وجمعك إلا بدد.

- إصلاح النفوس المريضة التي تقبلت الظلم وتواطأت معه ليهنأ لها العيش الزمني فعاشت الكراهية وتقمصتها وأورثتها جيلا بعد جيل فأصبح بغض أهل البيت علامة فارقة وأصبح البغض متوارثا حتى على أصحاب أهل البيت ومواليهم.

ومن خلال هذا الإصلاح كان البناء الحقيقي للإنسان الذي كان غاية وهدف مسيرة أهل البيت عموما والنهضة الحسينية الزينبية بشكل خاص.

من هنا ومن هذه القاعة الزينبية الثقافية الدمشقية نؤكد على القراءة الواعية لكتب التاريخ الزاخرة بمناقب أهل البيت وضرورة الالتزام بمنهجيتهم والتمييز الواعي بين سبل الرشاد وتيه الضلال، كما فعل السلف الصالح من أئمة المسلمين وأستشهد بقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي الذي أكد بكثير من أقواله المأثورة فرض طاعة ومحبة أهل البيت عليهم السلام ومنها:

يا آل بيت رســـــول الله حبكم              فرض من الله في القرآن انزله
 كفاكم من عظيم الشأن أنكم             من لم يصلِّ عليكم لا صــــلاة له

 وفي تحديه لحكام الضلالة والبغي:

 لئن كان ذنبي حب آل محمد    فذلك ذنب لست عنه أتوب

كما يحضرني هنا قول الإمام أبي حنيفة بحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع):

ها أنا عبد للفتى        أنزل فيه هل أتى
إلى متى أكتمه        أكتمه إلى متـــــى

وهو الذي يعرف عنه قوله المشهور: (لولا السنتان لهلك النعمان) الذي يشير به إلى السنتين اللتين قضاهما تلميذا لدى الإمام جعفر الصادق(ع).

إذن فالقراءة الواعية والمتدبرة دليلنا إلى سبل الرشاد والابتعاد عن تيه الضلال لنعيش حياة يسودها الأمن والأمان والمحبة والرخاء والإخاء بين ولد آدم بكافة انتماءاتهم ومختلف مشاربهم وبالتالي يعم الاستقرار بعيدا عن التشنجات وزرع الكراهية والبغض والحقد الأعمى المتوارث والفتن المضللة المختلقة.

أيتها الأخوات أيها الإخوة ...

إن مهرجان النجمة المحمدية الولائي الثقافي السنوي الذي سن الاحتفاء بذكرى مولد حفيدة النبي وسليلة الوصي وبضعة الزهراء السيدة زينب (ع) لأول مرة في هذا البلد الكريم ينعقد في عامه الرابع عشر تحت شعار (إصلاح الأمة وبناء الإنسان ركائز أساسية في منهجية السيدة زينب عليها السلام) وفي إحدى دور الثقافة التي أنشئت في عهد الرئيس الخالد حافظ الأسد طيب الله ثراه الذي أسس منهجية أتاح فيها كل الفرص للمهتمين بنشر الثقافات البناءة وخاصة نشر فكر وثقافة اهل البيت (ع) التي كما أسلفت أن غايتها وهدفها الأساس هو الإصلاح وبناء الإنسان الذي عبر عنه الإمام الحسين (ع) بقوله (إني لم اخرج أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا وإنما خرجت لأجل الإصلاح في امة جدي رسول الله) وهذه الأمة لم يحدد فيها جماعة أو مجتمع معين كون نهضته المباركة اشترك فيها المسلم والنصراني على حد سواء ولأن جده رسول الله (ص) أرسل رحمة للعالمين فخرج لأجل الإصلاح في الأمة الكونية وليس فقط لمحاربة الفساد الذي كان مستشريا في زمانه من قبل قادة الردة والانحراف بعد الخلافة الراشدة، لأنه يعلم بمصيره سلفا بأن (شاء الله أن يراه قتيلا) ودمه كان قربان هذا الإصلاح وهذا البناء وهو ما أكدت عليه السيدة زينب(ع) في مخاطبة المولى عزوجل برفعها جسد سيد الشهداء في ساحة القتال (اللهم تقبل منا هذا القربان، إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى).

إن هذا المهرجان الولائي الثقافي الرابع عشر ينعقد هذا العام وقد اجتمعت فيه كافة الديانات السماوية والمدارس الإسلامية المتعددة وهنا اسمحوا لي أن أرحب أجمل ترحيب بكافة الوفود التي تركت الأعمال وقطعت المسافات الطوال وقصدت السيدة زينب (ع) مهنئة ومباركة ومحتفية بذكرى ولادتها العطرة – وفد السويداء طائفة الموحدين ووفد اللاذقية ووفد الكنيسة الإنجيلية المشيخية في محافظة حماه ووفد طرطوس ووفد السلمية و المجلس الاسماعيلي الاعلى وشبكة الأغا خان للتنمية ووفد حمص ووفد الحسكة وعلماء دمشق الأعلام والعلماء الأعلام ممثلي المرجعيات الدينية الذين سوف يغنون الجلسة الافتتاحية للمهرجان بكلماتهم مجتمعين كلهم بقاسم مشترك واحد هو وحدة الكلمة وصدق النية و إتّباع منهج الصالحين والاقتداء به في بلد شمله الله عزوجل برعايته الكريمة وكساه غطاء الرحمة بنور السيدة زينب بضعة النبي الأكرم (ص) .

 كما أرحب بالسادة السفراء   (سفير الجمهورية العراقية)   والسادة أعضاء مجلس الشعب وكل من حضر معنا اليوم احتفالنا بهذه الذكرى العطرة...

أيها الإخوة – أيتها الأخوات

إن أسرة النجمة المحمدية ومن خلال مهرجانها الولائي الثقافي الرابع عشر لتقدر وباعتزاز موقف السيد وزير الثقافة في الجمهورية العربية السورية الأستاذ الدكتور محمود السيّد لمشاركة وزارة الثقافة لأول مرة في هذا المهرجان كما ولأقدم اعتزازي وشكري وتقديري وأسرة النجمة المحمدية لسيادته على كتاب الشكر والتقدير وأمنياته الطيبة لتطوير هذا العمل الولائي الثقافي الذي تسلمناه في 18/5/2005م والذي تصدّر الصفحة الرئيسية لموقع النجمة المحمدية على شبكة الانترنت.

وردا لهذا الحس المعرفي والثقافي الرفيع لسيادة وزير الثقافة أصدرت أسرة النجمة المحمدية لأول مرة درع النجمة المحمدية الثقافي – وهو هدية كريمة أهل البيت السيدة زينب عليها السلام داعية الثقافة الأولى في الدولة الإسلامية ومؤسسة أول صرح ثقافي لتعليم المرأة والاهتمام بثقافتها عام 35 للهجرة الموافق للعام 655للميلاد في الكوفة أيام خلافة والدها سيدنا وأميرنا علي بن أبي طالب عليهم السلام - وتقديم الدرع الأول منه للسيد وزير الثقافة في الجمهورية العربية السورية الأستاذ الدكتور محمود السيّد والذي سوف نقدمه لسيادته غدا في يوم العيد الخامس من جمادى الأولى 1426هـ إن شاء الله.