المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الثالث

سماحة آية الله السيد مجتبى الحسيني – الوكيل الشرعي للإمام الخامنئي (دام ظله) في سورية

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات المؤمنون والمؤمنات، ورحمة الله وبركاته...
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الهداة المهديين، وعلى أصحابه البررة المنتجبين، وعلى من والاهم إلى يوم الدين.
إن هذا الحفل الكريم حفل مبارك، حيث أنشئ لإحياء ذكرى مولد السيدة زينب(ع)، التي هي قدوة للبشرية جمعاء. ويشير شعار المهرجان إلى خلود الحسين(ع) وكربلاء وزينب(ع)، لذا أريد أن أتكلم حول رمز خلود السيدة زينب(ع) على كر التاريخ ومر الزمان بينما نرى أن هناك نساء كثيرات لهن مواقف عظيمة في التاريخ واستشهد بعضهن في سبيل إعلاء كلمة التوحيد ولكن ليس لهن مكانة كمكانة السيدة زينب(ع)!
قبل أن أبدأ بالكلام أهنئكم بهذا الميلاد، وأشكر الإخوة الأعزاء ولا سيما الدكتور عصام عباس الذين منحوني ومنحوكم هذه الفرصة السعيدة لهذا الاجتماع الودي الذي يحتوي على أبناء الأمة الإسلامية بشتى انتماءاتها الفكرية فنحن كلنا أمة واحدة وكلنا ننتمي إلى التوحيد والنبوة المحمدية والقرآن والقيم الإسلامية، لذا أشكر الأخ العزيز الدكتور عصام عباس وكل من شارك في هذا المجهود والعمل المبارك.
إذا نظرنا إلى شخصية السيدة زينب(ع) فيجب أن نقر أنها لا بد أن تكون خالدة باقية طيلة التاريخ، وما أذكره ليس كلاما جديدا بل هو ذكرى. إن السيدة زينب(ع) تنتمي إلى أسرة هي أشرف أسرة في العالم بل هي أشرف مخلوقات الله تبارك وتعالى في عالم الوجود؛ فهي حفيدة رسول الله(ص)، وبنت فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين(ع)، وبنت علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وتصل إلى أبي طالب مؤمن آل هاشم الذي ضحى بوجوده من أجل حفظ رسول الله، وجدتها لأبيها فاطمة بنت أسد التي سماها رسول الله والدة له وقال عند دفنها: (إنها كانت أمي)، وجدتها لأمها خديجة بنت خويلد أول زوج لرسول الله التي قدمت كل ما لديها من مال وقدرة في سبيل إعلاء كلمة التوحيد.
ولدت السيدة زينب في السنة الخامسة للهجرة وهي سنة حافلة بالبطولات وكل ما يليق بإيجاد البيئة المناسبة لتربية الإنسان، فقضت ست سنوات في كنف جدها، ثم واكبت الدور التاريخي الهام لأبيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) فعاشت ثلاثين عاما في أجواء تقواه وهو الرجل الذي لا يريد إلا رضى الله ولا يتحرك بدافع إلا الإيمان وحب الله تبارك وتعالى وكان رمزا للوحدة الإسلامية خلال خمسة وعشرين عاما ورمزا للحكومة الرائدة خلال خمس سنوات واجه فيها جميع المشاكل والعراقيل وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. ومن ذلك كله تعلمت السيدة زينب(ع) العبادة والتفادي في سبيل إعلاء كلمة التوحيد كما تدربت في هذه الظروف المختلفة على أدق المسائل السياسية والاجتماعية، ولو أغمضنا العين عن كون السيدة زينب(ع) امرأة ليست كسائر النساء فلا بد أن نعترف بأن المدرسة التي تربت فيها كانت مدرسة ذات أبعاد مختلفة تكفي لتثقيف المرء تثقيفا علميا وعباديا وروحيا وسياسيا واجتماعيا، ولهذا نرى أن السيدة زينب(ع) هي التي روت خطبة أمها فاطمة الزهراء(ع) التي تعد من الخطب التي ترتفع إلى مصاف خطب أمير المؤمنين(ع)، وبالتالي فهي كانت واعية لمضامين هذه الخطبة ولائقة بلقب (عقيلة بني هاشم). كما كانت السيدة زينب(ع) مرجعا لبعض الروايات فقد روى عنها الإمام زين العابدين(ع) والإمام الصادق(ع)، وعندما أراد حبر الأمة عبد الله بن عباس أن يذكر السيدة زينب(ع) قال: (قالت عقيلتنا زينب) أي عقيلة بني هاشم، فعلى ذلك كانت السيدة زينب(ع) لائقة وحرية بأن تسمى (عقيلة بني هاشم)، وأن تسمى (العالمة) و(العارفة) و(الموثوقة) و(الفاضلة) و(الكاملة) و(عابدة آل محمد).
إنني أقصر باعا من أن أتكلم عن هذه السيدة الخالدة، وإنما هي إشارات إلى هذه القمة العالية التي لا أستطيع أنا ولا أمثالي أن أصل إلى ذروتها، وهكذا أذكر مما روى الإمام زين العابدين(ع) من بطولات السيدة زينب(ع) قوله: (إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها الفرائض في قيام عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت: أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال)، ومن كلامه عنها أيضا: (إن عمتي زينب مع نلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية) فالسيدة زينب(ع) لم تترك صلاة الليل رغم حرق الخيام ليلة الحادي عشر من المحرم وكانت كفيلة لمن بقي من آل محمد وآل أبي طالب في كربلاء.
يذكر أن الإمام الحسن العسكري(ع) أوصى لأمه عند وفاته، وعندما استغرب الناس كيف يوصي الإمام لامرأة وسألوا حكيمة عمة الإمام العسكري(ع) عن ذلك أجابت: (اقتداء بالحسين بن علي)، فالإمام الحسين(ع) أوصى للسيدة زينب(ع) رغم أن الخليفة والإمام من بعده كان الإمام زين العابدين علي بن الحسين(ع)، وذلك بسبب المرض الذي كان يعانيه زين العابدين والأثر السياسي الذي يترتب على تسلمه الخلافة في تلك الفترة، فهذا إشعار بأن السيدة زينب(ع) كانت لائقة لأن تكون مسؤولة وأميرة وإمامة للناس في هذا الوقت من كربلاء إلى الشام ومن الشام إلى المدينة، ومن هنا تأتي عظمتها.
لقد استطاعت السيدة زينب(ع) أن تؤدي عملها بأجمل صورة، وعندما دخلت السيدة زينب(ع) إلى الكوفة تكلمت بكلام يجب أن ندقق في كل كلمة من كلماته التي تنضح بالعلم والعرفان والسياسة، وتكلمت بحسب ما تتطلبه الأجواء في تلك الفترة. وعندما دخلت وهي امرأة ثاكلة إلى يزيد وهو على عرشه لم تسلم عليه وجلست جانبا فتأذى يزيد من ذلك، وبعدما عرف بأنها زينب أساء إليها بالكلام شامتا، فقالت له السيدة زينب(ع) مما قالت: (أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة؟ وأن ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك) وهذا مضمون الآية الكريمة: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وإذا ما ابتلاه ربه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أكرمن، كلا...)، فأرادت السيدة زينب(ع) أن تعرّف أن الميزان في التقرب إلى الله تبارك وتعالى والابتعاد عنه ليس تحصيل القدرة والنجاح في حرب غير متكافئة، لذا تقول له في مكان آخر: (فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين). هذا الكلام بيان لخلود السيدة زينب(ع) وكربلاء والحسين، بل هو بيان لخلود الحق، وقد تمسكت السيدة زينب(ع) بالآية الكريمة: (ألا لعنة الله على الظالمين) ومعنى اللعنة عدم الخير والابتعاد عن الرحمة، فكل حق يكون خالدا، وكل باطل سوف يمحى ولا يبقى.
أجدد شكري وتهاني بمناسبة هذا المولد الكريم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.