المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الثالث
كلمة سماحة الشيخ وليد فليون – خطيب جامع الرحمة بدمشق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله
الطيبين الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن سلك نهجهم واهتدى بهديهم وعلى كل
المؤمنين.
أيها الإخوة والأحبة
إن المؤمن ليصاب بالذهول حين يسمع ويقرأ عن تلك الأحداث التي عصفت بأمة الإسلام
غداة التحق بالرفيق الأعلى سيد الخلق ونبي الرحمة محمد(ص). والواقع فإنه في اللحظة
التي نعيت إلى رسول الله(ص) نفسه كان بإمكانك أن تتصور ما سيحدث وقد أخبر(ص) أن
أحداثا جساما سوف تحل بالأمة بعد أن أدى رسالته وبلغ دين ربه. ومن النتائج المؤسفة
لإقصاء العترة الطاهرة عن سياسة أمور الأمة وتدبير شؤونها أن الأمة صارت كمسافر
يمشي بلا دليل وغريب يخرج بلا زاد، بلا زاد من ظلام الحالة عداوة الدليل الصادق
وتمكّن الدليل السوء ودس السم في الزاد فأوردت الأمة المهالك. ولقد أطلع الله
رسوله(ص) على أشياء تحدث بعده فاستشعر(ص) والسلام هذا الخطر فقال للناس :- انظروا
كيف تخلفوني في الثقلين، فناداه منادي القوم :- وما الثقلان يا رسول الله فقال: -
كتاب الله طرف بيد الله عز وجل وطرف بأيديكم فتمسكوا به لا تضلوا وعترتي أهل بيتي
لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما. والحقيقة التي يعلمها كل
مطلع هي أن أهل بيت رسول الله(ص) وهم معدن الرسالة وحماتها وفي بيوتهم نزل الوحي،
هؤلاء الأطهار هم الأمان لهذه الأمة. روى الحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري
قال: سمعت النبي (ص) يقول: (إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن
تخلف عنها غرق). وهذا التمثيل النبوي الكريم لحالة الأمة بعده ينبئك بيقين أن ما
طاف بالأمة بعد وفاة رسول الله(ص) ليس أقل من طوفان نوح وقد حمل في سفينته أهله ومن
آمن (وما آمن معه إلا قليل). إن المتتبع للأحداث ليجدها كما قال الإمام الحسين(ع):
(الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا
بالبلاء قل الديانون). ولقد أصاب الإمام(ع) جوهر الحقيقة ووضع يده على العلة وضع
الخبير، فكل ما جرى على أهل البيت الكرام والعترة الطاهرة بأيدي أناس مرقوا من
الدين فإنما أمرق هؤلاء تكالبهم على الدنيا. ولسنا هنا بصدد السرد التاريخي لما جرى
فالأحداث معروفة لكل مطلع لكن ما نود الحديث فيه هو عمل السبط الكريم الإمام
الحسين(ع) وأخته الصديقة الطاهرة زينب، فلقد كان هذا الثنائي العظيم مدرسة لكل مؤمن
يتعلم فيه ما رأيت أن أطلق عليه مصطلح (فقه الأزمات) وهو فقه استمدا خطوطه العريضة
والدقيقة على السواء من هدي جدهما سيد الرسل محمد(ص). إن أحداث السيرة الكريمة لآل
بيت رسول الله(ص) وعترته الطاهرين إنما حفظها الله لنا لتكون منجما نستمد منه على
مدى العصور الحلول لكل مشكلاتنا وما يستجد من مسائل... وفي ما نهضت به السيدة
زينب(ع) وأخوها الحسين(ع) منذ استشهاد والدهما الإمام علي بن أبي طالب رضوان الله
تعالى عليهما وسلامه... في ذلك القدوة الصالحة والأسوة الحسنة للشباب المسلم في كل
وقت من الرجال والنساء على السواء، فلقد أظهر الحسين(ع) ما ينبغي أن يكون عليه
الشباب المسلم من صمود في وجه الباطل واستماتة في الدفاع عن الحق وكذلك السيدة
الطاهرة زينب مثلت دور المرأة الفاعلة في أحلك الظروف فعقيلة بني هاشم والتي ولدت
في السنة الخامسة للهجرة حملت من علم أبيها وجدها حتى أن العلماء كانوا إذا رووا
حديثا عن أمير المؤمنين علي رضوان الله وسلامه عليه كانوا يقولون روى أبو زينب ثم
كان زواجها من ابن أخي أمير المؤمنين (عبد الله بن جعفر) وما أدراك من جعفر (ذرية
بعضها من بعض والله سميع عليم) ولقد دارت بعترة رسول الله (ص) دوائر السوء، أدارها
عليهم وخطها لهم من قالوا آمنا بأفواههم ولم يدخل الإيمان في قلوبهم وأبوا أن تجتمع
النبوة والخلافة في بيت واحد (أهم يقسمون رحمة ربك؟... ورحمة ربك خير مما يجمعون).
وفي الحقيقة فان ما جرى على أهل البيت الطاهر هو صورة لما جرى على جدهم المصطفى
صلوات ربي وسلامه عليه فلقد أخرجوا كما أخرج وأوذوا كما أوذي واستشهدوا كما أستشهد
ولئن كانت خيبر دار الخيانة التي سم فيها رسول الله(ص) ثم مازال حتى بلغ الكتاب
أجله... فإن أول خيانة خانها الطغاة كانت في المدينة المنورة حين قال نبيهم محمد(ص)
هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده لكنهم لم يفعلوا. ثم توالت الخيانات مرورا
بصفين وخيانة عبيد الله بن عباس لولي نعمته وسيده الإمام علي(ع) وخيانة الأشعث بن
قيس وقبائل ربيعة وجموع ممن قالوا عن محمد ( نشهد إنه لرسول الله والله يعلم إنه
لرسوله والله يشهد إن هؤلاء لكاذبون)، باختصار هو مسلسل خيانات ناجم عن حب الدنيا
الذي هو رأس كل خطيئة، حتى انتهى المشهد باليوم الحزين في كربلاء حيث قتلوا سبط
رسول الله(ص) وتفردوا لإيذاء بناته. وكما قدمنا فإنك لتصاب بالذهول حين تقرأ ما
فعله أدعياء الإيمان بأهل بيت نبيهم... وهذا طرف منه:
لما أرسل الشقي ابن زياد الحر بن يزيد الرياحي وكان ابن مرجانة قد عهد إليه أن يجوب
في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الحسين(ع) وقد بلغه مسيره إلى الكوفة والقبض عليه سار
الحر بألف فارس لينفذوا المهمة الأثيمة، ولما التقاه اقبل راكب من الركبان رسولا من
قبل ابن زياد إلى الحر فسلم عليه ولم يسلم على الحسين(ع) وهو يعلم انه ابن بنت رسول
الله(ص) وناوله الحر رسالة من ابن مرجانة يقول له فيها: أما بعد فجعجع بالحسين حتى
يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي. جاء في القاموس المحيط : الجعجع: هو ما تطامن من
الأرض والموضع الضيق الخشن ومناخ سوء لا يقر فيه صاحبه. والجعجعة : -كما في القاموس
أيضا- بروك البصير وتبريكه والحبس والقعود على غير طمأنينة.
نعم يقول ابن زياد: أما بعد فجعجع بالحسين حيث يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي فلا
تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء وقد أمرت رسولي ان يلزمك فلا يفارقك حتى
يأتيني بإنفاذك أمري والسلام.
نعم أيها السادة ابن بنت رسول الله(ص) يحبس في الموضع الخشن! لتسأل كم هو مذهل هذا
العقوق لنبي الأمة؟ !
كل هذا لان أهل البيت قالوا للطغيان: لا .. وبالمناسبة فإن مسالة قالوا هذه من أهم
مسائل الإنسانية فبالقول تحكم على إنسان حتى يتأكد حكمك إذا وافق قوله فعله
وتطابقا. والملفت أن القران الكريم أتى بالفعل قال واشتقاقاته ألفا وسبعمئة واثنتين
وعشرين مرة لخطورة القول ومسألة اللسان، ولأن الساكت عن الحق كما ورد شيطان اخرس.
ولقد وعت العترة الطاهرة هذا البيان فقالت للطغيان ورموزه: لا.. فكان رد الطغاة ما
كان.
تصور أخي الكريم ان عمر بن سعد قائد الجيش الآثم في مواجهة السبط الكريم والعترة
الطاهرة في كربلاء... هذا الشقي قال: اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى
الحسين... يقولها الشقي ويفخر. ولم يكن هذا الشقي وحده فشمر بن ذي الجوشن هو من
احتز رأس الإمام الطاهر الحسين وابن سعد أمر بحرق الخيام بمن فيها من نساء وأطفال
العترة النبوية الطاهرة وعبد الله بن قطبة الطائي قتل السيد الطاهر عون بن عبد الله
بن جعفر بن السيدة زينب(ع) الصديقة الطاهرة وزيد بن الرقاد الجهني قتل قمر بني هاشم
أبو الفضل العباس، نعم... كل هذا الطغيان لأن العترة قالت: لا... للاستبداد حتى
صارت بنات عقائل النبوة وحرائر الوحي سبايا في الكوفة وأسيرات في سجن جانب مسجدها.
وتحدث الروايات أن هؤلاء الطاهرات جيء بهن من الكوفة إلى دمشق وقد جعلوا على رأس
الحسين(ع) وعليهن ثلاثة من أشقى من خلق ربك زجر بن قيس الجعفي ومحفر بن ثعلبة وشمر
بن ذي الجوشن واستؤصلت ذرية رسول الله(ص) من الذكور إلا ما كان من فضل الله على
الناس اذ حفظ زين العابدين علي بن الحسين(ع) وذلك بفضل شجاعة عمته الطاهرة السيدة
زينب(ع) ذلك أنه كان مريضا أنهكته العلة فأراد شمر بن ذي الجوشن أن يقتله فنهره
حميد بن مسلم وقال له: سبحان الله أتقتل الصبيان إنما هو مريض فلم يعن الخبيث بما
سمع ولما تقدم لقتله أخذته عمته زينب وضمته إليها وقالت للباغي إن أردت أن تقتله
فاقتلني معه، والله لا يقتل حتى اقتل دونه. ولم تمكث سبايا أهل البيت زمنا كبيرا في
دمشق فقد خشي الطغاة فيها من وقوع الفتن وقد شاهد أهلها ما حل بال بيت نبيهم .
ولقد كانت السيدة زينب (ع) ردت على يزيد بن معاوية في خطبة طويلة ختمتها بقولها :
الحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة
وحيث لم يستطع الجواب أسّر في نفسه أمرا ...
وتذكر صحاح الروايات ان واحدا من أهل الشام نظر إلى الزكية فاطمة بنت الحسين عليهما
السلام فقال ليزيد هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي وقد ظنها الرجل من الأسيرات
ثم دار كلام بين السيدة الطاهرة زينب وبين يزيد أنهته بقولها له : أنت أمير مسلط
تشتم ظلما وتقهر بسلطانك . وإنما كان ذلك الرجل شخصا هيأه الله من عامة الناس فاتحة
لانتقاد يزيد وبداية الوعي لدى العامة وانجلاء الحقيقة. لكنه حب الدنيا رأس كل
خطيئة كما قال رسول الله(ص) فكان من حب الدنيا وحرصهم على بهرجها أن رأى الطغاة
وجوب التسريع في ترحيل مخدرات الرسالة إلى المدينة المنورة ليتخلصوا مما هم فيه.
وعهد يزيد إلى النعمان بن بشير ان يصحبهن إلى المدينة وأخرجهن ليلا من دمشق في هدأة
من الناس لتستر الجريمة.
وفي المدينة قضت الحرائر باقي أيام حياتهن إلا ما كان من أمر زينب(ع) حيث سار بها
زوجها عبد الله بن جعفر بعد فترة وكان في ذلك للمؤرخين روايتان: فالأولى: انه خرج
بها إلى دمشق، والأخرى: إلى مصر... وبحسب هذه أو تلك فان مرقدها الطاهر هنا أو في
مصر (طيب الله ثراها) سيبقى موئلا ومنبعا للنور.
إن الباحث ليجد ان ما جرى في الأيام الأولى لوفاة خاتم الرسل وما جرى على أهل البيت
عليهم السلام وما يجري اليوم متطابقان... وأنت بحاجة إلى إسقاط حوادث الأمس على ما
يجري اليوم وأنت واجد بكل تأكيد النجدة والحل في كتاب الله تعالى وقد اخبرنا عنه
رسول الله (ص) أنه حبل طرفه بيد الله ان تمسكنا به نجونا... فهل من متمسك؟ وإنما
التاريخ للعبرة والموعظة، فحقوق الإنسان التي انتهكت في صفين وكربلاء وغيرهما تنتهك
اليوم فيهما وفي غيرهما ولربما بشكل اشد وصور أفدح، ثم بنفس السلاح الذي قاوم به
أهل البيت نحن مكلفون أن نقاوم وهو باختصار سلاح الكلمة، لكن لابد أن تتوحد الجهود
وتتحد الطاقات فشر بلية نزلت اليوم بالمسلمين فرقتهم وأن كل حزب بما لديهم فرحون
وقد جهلوا أو تجاهلوا قانون الله في هذا الكون وسنته. ونحن هنا لسنا في مقام وعظ
وإنما هو استنتاج ودعوة لاستقراء كتاب الله وقانونه في هذا الكون.
فقطرة الماء التي لا يؤبه لها إذا ما اجتمعت مع أختها ثم اجتمعتا معا مع سائرهما
صارت سيلا جارفا وقوة لا يقف في وجهها واقف، وإن هذا التوجه المبارك في إيقاظ الوعي
الإسلامي واستنهاض همم الجمهور الواسع المؤمن كفيل بأن يساهم ببعث الأمة من جديد،
ونحن اليوم أشد ما نكون بحاجة إلى فهم فقه آل البيت، وحكمتهم في مواجهة الأحداث،
وقد تكالبت الأمم على المسلمين، لا عن قلة في عددهم، إنما هم كثير لكنهم غثاء كغثاء
السيل، فلا بد من العمل.
وبهذا السبيل نؤكد أخيرا على ما يلي:
نبذ الخلاف بين أبناء الأمة واحترام التنويع.
لكل زمان وسائله ومشاكله وله كذلك علماؤه ورجاله.
الأخذ من الأولين لا الغث بل السمين، أو كما سمعنا من أخينا الدكتور محمد حبش (الجذوة لا الرماد).
كل ما جرى بين المسلمين الأولين من صحابة وغيرهم، نفوض أمره إلى الله، فإننا لم نكن بالأمس شاهدين لنصبح اليوم قضاة عليهم وحاكمين.
الاهتمام بالحاضر وبمعالجته لأنه خير من الخوض بالماضي ومجادلته، والأولوية لتفعيل فقه الأزمات، ونحن في زمن الأزمات.
وأخيرا الحذر من الذين يريدون الإيقاع بين المسلمين وتعميق فرقتهم، والعمل على
التلاقي تحت ظل قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).
ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين والحمد لله رب العالمين.