المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الثاني
كلمة الأستاذ الدكتور معد النجار رئيس المجلس الإسلامي الإسماعيلي الشيعي لسورية
ألقاها نيابة عنه الأستاذ صدر الدين المحمد (وفد السلمية)
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها
العلماء الأفاضل... أيها الحفل الكريم...
(ستبقى كربلاء الحسين وشام زينب مدرسة خالدة لحماية حقوق الإنسان)، هذا هو شعار هذا المهرجان الولائي الذي ينعقد في ذكرى مولد السيدة زينب(ع) في الخامس من شهر جمادى الأولى من كل عام. لقد قامت السيدة زينب العقيلة برحلتها الجهادية الاستشهادية مع سيد شباب أهل الجنة مولانا الإمام الحسين(ع) إلى كربلاء، ومن هناك انتقلت إلى الشام لتأكيد حماية حقوق الإنسان حيثما حل وأينما وجد، هذه الحماية التي كرستها رسالة الإسلام في خطاب رب العرش العظيم لجد السيدة زينب خاتم النبيين محمد(ص) كما جاء في القرآن المجيد (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وكذلك فقد أكد رسول الرحمة أهمية حقوق الإنسان في المجتمع بغض النظر عن الجنس واللون والعرق وقال في الحديث الشريف: (الخلق كلهم عيال الله، أقربهم إلى الله أنفعهم لعياله) ولقد جسدت السيدة زينب(ع) في رحلتها الجهادية الاستشهادية المبادئ التي دعا إليها أبوها الإمام علي أمير المؤمنين(ع) خلال حياته كلها بصورة عامة وفي رسالته إلى واليه على مصر مالك بن الحارث الأشتر النخعي بصورة خاصة حيث أراد فيها أن يترك الدين أثره في الحياة عدالة اجتماعية وتكريسا لحقوق الإنسان بغض النظر عن الانتماء العرقي أو المذهبي أو الدين إذ قال له: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكن عليهم سبعا ضاريا)، ثم أوضح مولانا أمير المؤمنين علي(ع) لمالك الأشتر معايير العدالة الاجتماعية وإحقاق الحق بين الناس وخاطبه بقوله: (ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلا منهم ما ألزم نفسه)، وكذلك فإن مولانا الإمام علي قد أراد تحقيق روح الإسلام ببناء المجتمع على أساس أخلاقيات العقيدة الإسلامية المقدسة، وقد عد كما قال في نهج بلاغته: (مكارم الأخلاق عشر خصال: وهي السخاء والحياء والصدق وأداء الأمانة والتواضع والغيرة والشجاعة والحلم والصبر والشكر). إنها المبادئ التي تؤكد حقوق الإنسان وتكرسها في كل عصر وزمان، وهي المبادئ التي دعا إليها أهل البيت الأطهار الذين تنتمي إليهم السيدة زينب(ع) فأمها السيدة فاطمة الزهراء وأخواها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وقد أكد الله عز وجل طهارة أهل البيت بقوله في القرآن الكريم: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
لم تفارق السيدة زينب(ع) أخاها الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة، وإنما رافقته من المدينة المنورة مع أهل بيته وإخوته وبني أخيه قاصدا مكة المكرمة، ثم تابعت معه نحو الكوفة بعد أن تلقى من أهلها الكتب التي يستقدمونه بها ليبايعوه وينصروه ضد الظلم والطغيان، ومن أجل إحقاق الحق لكل إنسان حيثما كان، وعندما بدأت المعركة في كربلاء، جاءها العزاء من سيد الشهداء أخيها الإمام الحسين حين أوصاها وقال لها: (يا أختاه! تعزي بعزاء الله، كل شيء هالك إلا وجهه، ولكل مسلم برسول الله أسوة)، وكذلك قال مولانا الإمام الحسين(ع) عندما حمي وطيس المعركة لأخته السيدة زينب العقيلة: (يا أختاه! ارجعي إلى الخيمة واحفظي لي العيال والأطفال)، وقبل ذلك أراد الإمام السجاد علي زين العابدين(ع) أن يقاتل وقد كان مريضا فرده أبوه الإمام الحسين(ع) إلى فراشه وأوصاه بوصاياه، وودعه ليبقى بعده ولتستمر كلمة الهداية النورانية في عقبه الطاهر إلى يوم يبعثون. وأخيرا... وليس آخرا... تسأل السيدة زينب(ع) ابن أخيها الإمام علي زين العابدين(ع): (إلى أين يا نعم الخلف؟ إلى أين يا بقية السلف؟) ويأتي كلام الإمام ليجيب بشكل غير مباشر على تساؤل العمة العقيلة ويقول: (أيها الناس! أعطينا ستا وفضلنا بسبع؛ أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب الناس، وفضلنا بأن منا النبي المختار، ومنا الصديق والطيار، ومنا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سبطا الأمة ومنا سيدة نساء العالمين) وهكذا جعلها الله تعالى كلمة باقية في عقبه لتستمر الرحمة الإلهية للإنسان، ولخير الإنسان، وحماية حقوق الإنسان، هذه الرحمة التي لا يمكن لها أن تنقطع، إنها سلام الله على بني الإنسان، وسلام الناس بعضهم على بعض، وسلام بعضهم مع بعض، إنها دين الإسلام الذي بدأ تبليغا نبويا شريفا، واستمر مع أئمة العترة النبوية الإمامية الطاهرة، رحمة شاملة كل المبادئ الأساسية التي يمثلها النبي محمد(ص) في الاستقامة والإخلاص والولاء والكرم من حيث المادة والوقت، وبمواساته للفقراء والضعفاء والمرضى، وثباته في الصداقة، وتواضعه في المجاعة، وشهامته عند النصر، وحكمته في تصور الحلول الجديدة للمشكلات التي لا تحلها الأساليب التقليدية دون أن تؤثر في مفاهيم الإسلام الأساسية، فإذا فهمنا وفسرنا هذه المبادئ بشكل صحيح ساعدنا ذلك بالتأكيد على تصور ما يجب أن يكون عليه مجتمع إسلامي حديث وفعال حقا خلال السنين القادمة. ولنذكر دائما انه ما دمنا قد خلقنا ومعنا العقل فذلك إنما لنبحث به حل المشكلات التي تعترضنا مع الآخرين، لا من خلال الأساليب العنيفة، بل من خلال أساليب التسوية والحوار والمحاولات المشتركة لحل المشكلات الآنية والمستقبلية وحتى يصل لكل ذي حق حقه، ويعم السلام العادل المجتمعات الإنسانية في كل بقاع المعمورة وفقا لقول الله تبارك وتعالى في قرآنه المجيد: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.