المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الثاني
كلمة الأستاذ المحامي زكريا مير علم - عضو مجلس الشعب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
وأفضل الصلاة وأتم التسليم على رسوله الصادق الأمين وعلى آله الأطهار وصحبه
الأخيار...
(وسلام على عباده الذين اصطفى) سورة النمل 27/59
(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) سورة الأعراف 7/157
(الذين يتبعون النور الذي انزل معه)، وهو القران الكريم، والذي وصفه مرسله تبارك وتعالى بأنه:
(إن هذا القران يهدي للتي هي أقوم) سورة الإسراء 17/9
وأنه(يهدي إلى الرشد) سورة الجن 72/2
السادة العلماء، السادة الضيوف، الإخوة الحضور:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والسلام على سيدتنا ومولاتنا زينب العطر والطهر كريمة آل البيت وحفيدة نبينا محمد(ع) وابنة الأطيبين وشقيقة السبطين الحسن والحسين ومليكة قلوب المؤمنين وأم الصابرين وقدوة المتقين ورائدة الحرية والأحرار ورافعة لواء كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه العسف والظلم والطغيان.
إنه لمن دواعي سروري وغبطتي والشرف العظيم إن أشارك هذا العام بالمهرجان الولائي السنوي الذي يعقد بمناسبة ذكرى مولد السيدة زينب(ع) بهذه الكلمة التي خصني بها الدكتور عصام عباس بهذا المكان الطاهر المجاور لمرقد السيدة زينب صاحبة الذكرى، رغم أنني مازلت طالبا للعلم والثقافة ومكاني الصحيح هناك بين يدي العلماء الأفاضل، وأما في هذا المكان فإن مكاني هو خلف من سيتعاقبون على هذا المنبر الشريف. ولكنني ومع ذلك وتلبية لنداء الإيمان وإجابة لطاعة الله وطاعة رسوله والمحبة العظيمة للرسول الأعظم محمد(ص) وآل بيته الطاهرين أقف خطيبا بينكم وأستذكر معكم بعض النصوص الشرعية التي وردت في الوحيين الكتاب والسنة الشريفة في حق آل بيت النبوة:
ففي القران الكريم؛ فقد خص الله أهل بيت النبوة بكثير من الآيات الباهرة: منها آية التطهير: قال سبحانه وتعالى:(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) سورة الأحزاب 33/33 . وآية المباهلة: قال الله تعالى:(فمن حاجك من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكافرين) سورة آل عمران 3/61. وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في الخمسة الأطهار وهم محمد(ص) وعلي(ع) في قوله:(أنفسنا)، وفاطمة الزهراء في قوله تعالى:(ونساءنا) وفي الحسن والحسين في قوله(أبناءنا). وآية المودة في القربى:(قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) سورة الشورى 42/23 ...
وفي السنة الشريفة فقد ورد:
قال رسول الله محمد(ص): - ألا إن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.
وقال : - إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله و عترتي.
وقال: - أهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف في الدين.
وقال: - أنا مدينة العلم وعلي بابها.
وقال: - أنا دار الحكمة وعلي بابها.
وقال مخاطبا عليا(ع): - ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي؟.
وقال بفضل الحسن والحسين(ع):(اللهم أحببه وأحب من يحبه)،(اللهم إني أحبه فأحبه).
إذن ففضل أهل بيت النبوة عند الله عظيم جليل حتى إنه سبحانه وتعالى جعل الصلاة عليهم جزءا من الصلاة المفروضة على جميع عباده، وفي هذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
يا آل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القران أنزله
كفاكم من عظيم الفضل أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
السادة العلماء... الإخوة الكرام...
إذا كانت هذه هي منزلة أهل بيت النبوة بمنهج الوحيين القرآن والسنة...
وإذا كانت عترة بيت النبي(ص) هي من جملة ما أوصى به أمته قبل وفاته...
وإذا كانت وصية النبي(ص) بأن أهل بيته أمانة لدينا بالمفهوم الديني والحقوقي للكلمة...
وإذا كان الإنسان الذي هو أعظم مخلوق في هذا الكون، يستمد عظمته من قبوله بحمل الأمانة التي عرضها الله عز وجل على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها بقوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) سورة الأحزاب 33/72 ...
وإذا كان الله تعالى قد حدد الأمانة بأنها من أبرز الصفات التي يتحلى بها المؤمنون بقوله: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) سورة المؤمنون 23/8 ...
وإذا كان الرسول(ص) قد قال بالحديث الشريف: (لا إيمان لمن لا أمانة له)...
فإنني أسأل وبلسان السيدة زينب حفيدة الرسول الأعظم(ص) كيف تسنى لهؤلاء الظلمة أن يفرطوا بآل بيت رسول الله ويفتكوا بهم وكم كانت دماء المسلمين رخيصة لديهم؟!
إن الحديث عن شخصية هذه السيدة العظيمة زينب(ع) سليلة شجرة النبوة ومعدن الرسالة كما وصفها شقيقها الإمام الحسن المجتبى(ع): (إنك حقا من شجرة النبوة ومن معدن الرسالة)، سواء في العبادة والدعوة والفقه واليقين والصبر والرضا والشكر، فيصعب حتى الإلمام بها وليس فقط الحديث عنها في هذا المقام.
ولكن يمكن الحديث عن ثلاثة مقامات تعد من المقامات العالية في الإيمان لديها، وهي الأسس القوية في تكامل الإنسان ومعراجه إلى الملأ الأعلى، ألا وهي الصبر والرضا والشكر، فإن الإنسان بعد مرحلة كمال الصبر يصل إلى مرحلة الرضا بما قضت به حكمة الله، وبعد مرحلة الرضا يصل إلى مقام الشكر.
إن المصائب الأليمة والمفجعة التي انهالت على زينب الشام(ع) بدءاً من ألم فراق جدها الأعظم(ص) ثم فراق أمها البتول فاطمة الزهراء(ع) ثم شهادة أبيها أمير المؤمنين(ع) ثم شهادة أخويها الحسن والحسين(ع) ثم الأسر والسبي والسير من بلد إلى بلد تتقدم محملها رؤوس الشهداء، كان من شأن مصيبة واحدة من هذه المصائب كلها أن تكفي لتشل قواها وتفقدها الصبر، ولكن صبرها كان في سبيل مرضاة الله، وإنها أرادت أن تكون مدرسة الصبر لنساء ورجال هذه الأمة... إنها بحق أم للصابرين على مر الدهور والأيام.
ولكن يبقى هناك الجانب الحضاري والإنساني في هوية وشخصية هذه السيدة العظيمة يتعين الحديث عنه من خلال خطبتيها في كربلاء والشام، ألا وهو فهمها ووعيها للحقوق الجوهرية لحياة الإنسان واللازمة لاستقامة نظام المجتمع والتي تتجلى في الحق والعدل والمساواة، لقد فهمت هذه الحقوق بأنها حقوق ذات قداسة لأنها مستمدة في الأساس من تشريع السماء وبالتحديد من قداسة النصوص التي شرعتها وهي القران والسنة النبوية.
لقد كانت ترى في رعاية هذه الحقوق والواجبات المشرعة والمقررة في أصول الإسلام على أنها نوع من التعبد لله عز وجل مع لزومها لضبط السلوك الاجتماعي وترشيد التعاملات البشرية وكفالة العدل والمساواة بين البشر وإطاعة لأوامر الله ونواهيه، وهي –في نفس الوقت- التزام بقيم العدالة والمساواة المأمور بها والمنهي عما ينقضها.
لقد قام النسق الحقوقي للفرد في الإسلام في واجباته، وإن فكرة ممارسة الحق هي واجب اجتماعي في الوقت ذاته، وإن حقوق الإنسان في الإسلام تبدأ بالعبودية لله وحده وإن المساواة بين الناس تتأكد كقيمة لتحقيق العدل من حيث أن صاحب الشرع الحاكم هو الإله المعبود من دون الخلق جميعا والناس إزاء ذلك جميعهم سواسية كأسنان المشط، حتى إن المساواة في الإسلام لم تقرر لذاتها بل لتحقيق العدالة بوصفها الهدف الأصيل من تقرير المساواة، وإن هذه الحقوق ليست لازمة للإنسان لكونه إنسانا فقط ولكنها لازمة كضرورة لإقامة نظام اجتماعي رشيد.
إن مبادئ حقوق الإنسان التي كرسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى عام 1948 بأنه: (يولد جميع الناس أحرارا متساويين في الكرامة والحقوق...)، وقبل ذلك بإعلان الاستقلال الأمريكي وبالثورة الفرنسية قد جاءت متأخرة أكثر من ألف ومئتي عام على تلك المبادئ التي شرعها الإسلام والتي قرر أن أصل التساوي بين الناس جميعا حسب خلقهم الأول أي إلى وحدة المنشأ للناس كافة وليس للمؤمنين وحدهم وأن التفاضل يرد بعد ذلك من الفعل الإرادي للبشر وهي التقوى والتي هي جمع خاصتي العمل والإيمان والتعامل والسلوك فقد ورد بالقرآن الكريم: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء...) سورة النساء 4/ 1 ، وقال أيضا:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) الحجرات 49/13 ، والرسول(ص) يوصي الناس في خطبة الوداع بقوله: (أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد... كلكم لآدم وآدم من تراب... ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى)، وقول عمر بن الخطاب المشهور: (بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا).
إن غالب الحقوق العامة التي صاغها الفكر الغربي بحسبانها من حقوق الإنسان السياسية، نلحظ بأنها ترد في الشريعة الإسلامية على أنها من فروض الكفاية والتي لم يستطع الغرب أن يدرك هذه الفكرة بعد، ولم يدرك أيضا أن الحق عندنا هو واجب اجتماعي لانتا ننظر إلى الفرد في إطار وجوده الاجتماعي، وحق الفرد لا ينحصر في نطاق المزايا وإنما ضمن نظام وصلاحيات شرعية ووظائف اجتماعية.
وفي الختام:
أهنئ الجميع بعيد مولد السيدة زينب(ع) وأقول لهم كل عام وانتم بخير، وأستبيحكم العذر في الإطالة ولكنني أود أن اقرأ لكم هذه الأبيات الشعرية لقصيدة قالها الفرزدق يمدح فيها الإمام علي بن الحسين(ع) عندما همّ باستلام الحجر أثناء الطواف فتنحى له الناس هيبة وإجلالا خلافا لما حصل لهشام بن عبد الملك الذي نفى معرفته بالإمام عندما سأله احد أهل الشام لئلا يعظم في صدور الناس، فأنشد الفرزدق قائلا:
|
هذا ابنُ خيـــــر عبادِ
الله كلهِمُ مُشتقَّة من رسول اللّه نَبْعَتُهُ |
|
هذا النقيُّ
التقيُ الطــــاهرُ العَلَمُ طابتْ عناصِرُه والخِيم والشِّيَم |