المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الثاني

كلمة فضيلة الدكتور حسن كفتارو

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على نبينا وقائدنا وحبيبنا وزعيمنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين...

أبلغ أولا المشاركين في هذه الندوة وهذا المؤتمر تحيات والدي سماحة الشيخ أحمد كفتارو المفتي العام للجمهورية، ولا أريد أن أطيل في كلمتي هذه، وأحب أن أدخل في الموضوع مباشرة، فزينب (رضي الله تعالى عنها وأرضاها) سليلة بيت النبوة، تلك التي قدر لها أن تعيش في فترة من تاريخ الإسلام تعج بجليل الأحداث، وأن يكون لها أثر فاعل على مسرح الدولة الإسلامية، دور أقل ما يوصف به أنه دور ذو شأن.

اقترن اسمها في تاريخ الإسلام -بل بالتاريخ الإنساني- بمأساة فاجعة هي مأساة كربلاء، وهي مأساة أجمع المؤرخون على أنها كانت إحدى المعارك الحاسمة في تاريخ الشيعة خاصة، وفي التاريخ الإسلامي عامة، لأنهم يرون أن الدم المسفوح في تلك الوقعة المشؤومة هو الذي صبغ تاريخنا السياسي، ولا يمكن لأحد أن يجحد أو ينكر دور السيدة زينب في المأساة بل في المؤرخين من أطلق عليها (بطلة كربلاء) لأنها السيدة الأولى التي ظهرت في اللحظة الحرجة تأسو الجراح وترعى المجاهدين، وهي التي تثور للضحايا من الشهداء الذين تبعثروا هناك في العراء أشلاء ممزقة تنهشها الطيور الجارحة والوحوش الكاسرة. ولكنني أرى أن دور هذه السيدة العظيمة قد امتد إلى ما هو أعظم وأعلى من دورها الأول في المعركة، فكان دورها الحقيقي أن تحمي السبايا من الهاشميات اللاتي فقدن الرجال، وأن تناضل مستميتة عن مريض هو علي زين العابدين بن الحسين الذي كاد لولاها أن يذبح فتفنى بذهابه سلالة الإمام سليل بيت النبوة، ثم بدأ دورها بأن لا تدع الدم الطاهر الزكي المسفوك أن يذهب هدرا، وما أحسبني أغلو أو أسرف إذا قلت أن موقف السيدة زينب بعد المذبحة هو الذي جعل من كربلاء مأساة خالدة.

لقد كانت مأساة الحسين معروفة في ما يقولون قبل موعدها بأكثر من نصف قرن ففي سنن ابن حنبل (ج1،ص85) أن جبريل أخبر النبي(ص) بمصرع الحسين وآل بيته في كربلاء، وينقل ابن الأثير في الكامل أن الرسول أعطى زوجته أم سلمة ترابا حمله لها أمين الوحي جبريل من التراب الذي سيراق عليه دم الحسين وقال لها (ص): (إذا صار هذا التراب دما فقد قتل الحسين) وأن أم سلمة حفظت ذلك التراب في قارورة عندها فلما قتل الحسين صار التراب دما فعلمت أن الحسين قتل وأذاعت للناس النبأ. وكان رسول الله(ص) قد اطلع على مأساة آل بيته بداية ونهاية، وتكلم (ص) وعلى لسان القرآن: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)، وكم كان (ص) منصفا في حق المسلمين الذين لم يطالبهم بأي حق من حقوق آل بيته إلا المودة والمحبة التي هي الحماية الأساسية لآل محمد (ص) من مشاكل الزمن وعداوات الناس، ولكن يأبى الشيطان وأتباعه إلا أن يعمل في صفوف المسلمين ليفرق وحدتهم ويزعزع قوتهم ويجعل بعضهم أعداء لبعض من أجل عرض الدنيا مع أن القرآن الكريم طلب منهم أن يتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ونصح القرآن المسلمين حين قال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). ولا يمكن أن نذكر السيدة المصونة زينب إلا ونذكر الإمام الحسين؛ حيث كانت تشاركه في آماله وآلامه، وهي من أبر أهله به، وقد أخذت السيدة الفاضلة عواطف أخيها الحسين ومشاعره لما تملكه من أصالة الرأي وسمو الآداب ومعاني الأخلاق فقد تجسدت فيها مواريث النبوة، وكانت صورة صادقة لأمها بضعة الرسول(ص) وسيدة نساء العالمين السيدة الزكية فاطمة الزهراء(ع)، ومما يدل على مزيد فضلها أنها كانت تنوب عن أخيها الإمام الحسين فيرجع إليها المسلمون في المسائل الشرعية، وكان الإمام زين العابدين يروي عنها وكذلك عبد الله بن جعفر والسيدة فاطمة بنت الإمام الحسين، وكان للسيدة الكريمة في حياة أبيها الإمام علي(ع) مجلس خاص، تزدحم عليها النساء فتلقي عليهن دروسا في تفسير القرآن، كما كانت المرجع الأساسي للسيدات من نساء المسلمين حيث يأخذن عنها أحكام الدين وتعاليمه وآدابه، كيف لا وقد تربت عقيلة بني هاشم في بيت النبوة وفي بيت الدعوة إلى الله؟! ذلك البيت الذي كان مهبط الوحي والتنزيل، ومنه انطلقت كلمة التوحيد وامتدت مشرقة على جميع شعوب العالم وأمم الأرض.

لقد تغذت حفيدة الرسول الأكرم(ص) بجوهر الإيمان وحقيقة الإسلام وانطبع خوف الله تعالى وحب رسول الله(ص) في عواطفها ومشاعرها حتى قد صار ذلك من مقومات ذاتها وشخصيتها، وقد أحاطت بها المحن والخطوب منذ نعومة أظفارها، وتجرعت أقسى وأمر المصاعب، وبقيت قوية شامخة عزيزة قوية، كل ذلك من أجل إعلاء كلمة الحق وكلمة الله عز وجل. وهكذا حمل رسول الله(ص) أمانة تبليغ الرسالة الربانية للناس أجمعين بالأمر الإلهي: (يا أيها النبي بلغ ما أنزل إليك من ربك) وتحمل من الآلام ما تحمل في سبيل ذلك، وبعده (ص) حمل أهل بيته من الرجال والنساء قضية الإسلام وبذلوا كل غال ورخيص في سبيل الحفاظ على جوهر الحق، وصبروا واحتسبوا، وبقي النسل الطاهر في كل زمان رمزا شريفا لآل بيت النبي(ص)، ولا زال المسلمون يقدرون ويحترمون ويتبركون بآل نبيهم وأسرته وبالعناية الإلهية لإنقاذ البشرية. واليوم، ونحن نتحدث عن واحدة من أعلام بيت النبوة، نرى من اللازم أن نكون قوة واحدة تعمل في جهاد دائم من أجل وحدة المسلمين وقوتهم لرد كل مؤامرات ومخططات أعداء الإسلام، والنصر لنا بإذن الله. (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.