المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الثاني
كلمة الأستاذ عبد الله الأطرش - عضو مجلس الشعب (وفد السويداء)
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين نبينا محمد وآله الطاهرين...
أيها الإخوة الأكارم... نحن في دمشق ونقول:
[دمشـق انطقي ما قالته
زينبنا من موقع الحق أنت الشاهد النضر
قالت دمشق: لنا سلطانة وقفت تفند الجهل والفســـاق تندحر
بل إن زينــب تهذيب وتربية منها المواعــظ والأحكام والعبر]*
وأنا بالأمس أتيت الست منتميا واليوم يشدني التأهيل والتسبيح
والظفر
نعم أيها الإخوة... يشدني التأهيل والتسبيح والظفر لهذه الظاهرة الإنسانية الفريدة
التي توجتها مع جميل الاسم عراقة النسب وشرافة الحسب لأفضل جد وأب وأم وخال ووقرها
حسن الخُلق ورفيع الخَلق المتحصن بالعفة والعفاف وحر الشمائل وكريم الفضائل والقدرة
على الاستيعاب والفهم والإفهام بذكاء متوقد ومنطق سليم وقول رخيم وتصرف حكيم ومعرفة
بمن تكون وإلى من تؤول حافظة للقران وعارفة بأحكام الإسلام. ظاهرة إنسانية حشرت
فيها بازدحام هذه المقومات المبدعة الخلاقة التي استقطبت البعيد والقريب والتي ما
اجتمعت في إنسان دفعة واحدة إلاها بعد الأنبياء والرسل والمبعوثين، من العناية
الإلهية لأمر قدره الله وأمضاه من أجل خير البشر والإنسانية. الشك يقطع باليقين بأن
هذه الصفات الكاريزمية السامية لم تكن مجرد طبع واكتساب إنما تأهيل رباني سيتصدى
لكل انحراف عن الصراط المستقيم وللدفاع عن كل تأويل سقيم كما كان الدفاع من قبل عن
كل تنزيل عظيم من أمثال الوليد الذي جاهر بالإثم والفسق وهو يخاطب القران بكل سوء
وقول لئيم :
إذا لاقيت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد
وممن استهزأ بالحديث الشريف ووعد الله بالجنة لأهل بيت رسول الله كقول ابن زياد لعقيلة بني هاشم (كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين...) وهو يعني رأس الحسين وقد حز وأوصاله قد قطعت.
إن محنة كربلاء كانت لتهز مسار الإيمان وتخلط الأوراق في ما ترسخ في الأذهان عن مكانة وحصانة ورفعة أهل البيت وما وعدوا به لو لم يقيض الله سبحانه وتعالى وجود السيدة زينب(ع) في هذه المسيرة الجهادية منذ أن أصرت على مرافقة أخيها وأبنائها وأقاربها وحشد المؤمنين وهي عالمة ومعرّفة بحقيقة رؤى النبي(ص) بما سيحل بزين شباب أهل الجنة سيدنا الحسين العظيم الذي ردد بدوره أمامها وأمام بعض المؤمنين (شاء الله أن يراني قتيلا ويراهن سبايا) إلى أن حدث ما حدث. غير أن هذا الذي حدث فاق مجال التقول والتنبؤ بمصير الحسين وصحبه من أهل البيت وعرض الإيمان والمؤمنين إلى التساؤل والتشكك والانكفاء فلقد بلغت تصرفات السفاح ابن زياد وزبانية الشرك والرشوة والفساد والغدر والخيانة من البشاعة والوحشية والتنكيل والتنكر للإنسانية وحقوق الإنسان حدا يندى له جبين هذه الإنسانية وهذه الحقوق ومن العار ما أخجل تاريخ الحروب والقتال ومن الشنار ما استحق مع الأيام لعنة الأجيال وخزيهم.
انه الإحباط الذي ولّد الحيرة والذهول: أنكوص بعد الإيمان أم ردة بعد اليقين؟ أيدفن في لحد السيوف والرماح تبشير وهداية؟ أينتصر أبو لهب بعد اندحار؟ لا والله لم يكن هذا ولا ذاك، فالتأهيل الرباني أخذ دوره ليعيد بزينب جوهر الإيمان إلى مستقره وترفع بقامات الشهداء صروح الثبات على الإيمان بقوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) وقوله تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
وهكذا تبدأ زينب بقلب الموازين من الإحباط إلى شد الرباط، ومن زهوة نصر غادر للمرتدين إلى عار وشنار، ومن غفوة المغررين إلى صحوة المؤمنين، ومن خسارة معركة إلى كسب حرب. فينطلق بزينب الدين الجهادي دين الإسلام الحقيقي الذي ذب ودافع بداية عن التنزيل وبات عليه اليوم أن يدافع عن التأويل وليشق مشوار التصدي والصمود طريقه الذي لا يقل صعوبة وتحديا عما قام به علي(ع) عنه وصحابة رسول الله أجمعين، فهاهي بداية تقطع شرك الشك بإيمان اليقين والمتقين، حين ردت على استهزاء ابن زياد بمصير أخيها قائلا: (كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين؟) بقولها: (والله لم أر إلا جميلا) وقد شرح من سبقني ما معنى هذا الجمال، وما معنى الكمال بأروع صوره، وتذكروا قولتها الشهيرة: (اللهم تقبل منا هذا القربان) تصوروا أن هذا الكم العظيم من الضحايا تقدمه السيدة زينب بكل خشوع وخضوع، ومن ثم تتوجه إلى ابن أخيها زين العابدين الذي حمته من القتل بعد أن افتدته بنفسها وقالت: (إن أردتم قتله فاقتلوني قبله)، وما كان أصدق هذا القول وهذا التنبؤ ونحن نقيم في هذه الساعة بجانب الضريح العظيم لهذه الست العظيمة: (يا بقية جدي وأبي وإخوتي فوالله هذا عهد من الله إلى جدك وأبيك ولقد اخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون عند أهل السماء فيجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لأبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام ولو اجتهد أئمة الكفر وأشياع الضلال على محوه فلا يزداد أثره إلا علوا).
وهاهي ترى أن الفشل الحقيقي ليس في طبيعة الفشل ذاته، بل البقاء حيث يريدها الفشل، وقد انقض المؤمنون من حولها بعد تغرير ورشوة وخداع فتعيد إلى أهل الكوفة ذاكرتهم حيث تهزهم هزا من غفوتهم بقولها: (أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ولقد جئتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض وملء السماء . أفعجبتم أن مطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون).
وفي دمشق... دمشقنا هذه... تقف عقيلة أهل البيت السيدة زينب(ع) موقف البطولة في مواجهة الظلم والطغيان والتمادي على حقوق الإنسان في مجلس يزيد بن معاوية لتصيب منه مقتلا إنسانيا فيما تبقى فيه من مشاعر الإنسانية -إن وجدت- وتقول: (صدق الله سبحانه حيث يقول: ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون)، وتستطرد بقولها: (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوق بنات رسول الله سبايا وقد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك... اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا، فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ولا يرحض عنك عارها وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد).
أما مكوثها في المدينة المنورة بعد طول صراع لم تكن استراحة المحارب بل استمرارية لثورة كانت شريكة الحسين بها... ثورة تعيد الفرع إلى الأصل... ثورة على التأويل غير الصحيح لآيات الله البينات ولأحكام الدين والصراط المستقيم. ثورة على الفساد والارتداد.. ثورة على التسلط وانتهاك حقوق الإنسانية والإنسان... ثورة على عدم الفهم والإفهام بأن من اجتهد واخطأ له أجر ومن اجتهد وأصاب فله أجران... ثورة على نكران وتجاهل وجود الآخرين والقبول بالرأي والرأي الأخر... دعوة إلى الإخوة والمحبة والتآخي... دعوة إلى التلاقي في سبيل حوار يجمعنا جميعا قول القائد الخالد حافظ الأسد: (إن كل فتوى تجمع المسلمين هي الفتوى التي نقبل ونرحب ونعمل، وكل فتوى تفرق المسلمين هي الفتوى التي نرفض ولانقبل)... دعوة إلى التوكيد أن الإسلام دين جهادي من أجل خير الإنسان والإنسانية، من أجل الكرامة والشرف الرفيع، من أجل تحرير الأوطان من كل رجس أجنبي، وما رأيناه في جنوب لبنان إنما هو بمدد من هذا الدين الجهادي الذي انتصرت به زينب.
وأما انتقالها إلى دمشق حيث تشرفت أرضها وأطيافها على احتواء جسدها الطاهر، فلتقدير منها أن في دمشق شعار ينادي بأن الحياة بدون ثبات على المبادئ والشيم ومكارم الأخلاق غير جديرة بأن تعاش، وأن الله يقيض لها من الأطهار والشرفاء والوطنيين من حين إلى حين أمثال الدكتور بشار الأسد كي تستمر بهم مسيرة الشرفاء... مسيرة الدين الجهادي... مسيرة الصمود والتصدي... لكل تهويل وصلف صهيوني.
رحمة الله عليك يا ابنة وأم وأخت الشهداء. والشكر كل الشكر للدكتور عصام عباس على سهره وجهده لإحياء هذه الذكرى التي توحدنا في إيمان بتلك المرأة، والامتنان كل الامتنان لإصغائكم.
(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
--------------------------------------------------------------------
*أبيات من قصيدة " نجمة الشام " للدكتور عصام عباس – ألقاها في
المهرجان الولائي الثاني عشر... "