المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الثاني
كلمة سماحة الخطيب السيد حسن الموسوي
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله
رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وخاتم النبيين وحبيب إله
العالمين وشفيع المؤمنين إلى قيام يوم الدين أبي القاسم محمد، وعلى أهل بيته
الطيبين الطاهرين، وعلى مولاتنا وسيدتنا العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين، وعلى
أصحابه المنتجبين.
أيها الأحبة...
في هذه الليلة بزغ نور كوكب آخر في بيت النبوة بيت فاطمة وعلي(ع)، وكانت الوليدة الأولى لعلي وفاطمة هي زينب(ع)، أشرق هذا النور وعم جميع قلوب المحبين وقلب النبي المصطفى(ص)، وكما ورد في الرواية فإن الرسول(ص) هو الذي سماها زينب، والحديث عن العقيلة زينب له أبعاد وأطراف كثيرة، ولا يمكن لنا أن نلم بكل هذه الأبعاد والجوانب في شخصية هذه البطلة، لأنها كانت قد جمعت الفضل من أطرافه، فكانت هي العالمة والمحدثة والبطلة والشجاعة والصابرة... وكانت الإنسان... كانت الإنسان بمعناه الحقيقي، ومعناه الروحي، وتجسدت هذه الروحية في شخصيتها، وذكر التاريخ الكثير الكثير عن حياة السيدة زينب، وإني لأظن أن الكثير مما ذكر عن السيدة زينب هو النزر القليل القليل جدا من حياة السيدة زينب. إن هذه الشخصية يجب أن نجعلها مشروعا إنسانيا وحضاريا، ومشروعا أنثويا يحقق للمرأة عدالتها وقيمها وشخصيتها في المجتمع، فإذا أردنا أن نحقق حقوق المرأة ونعطيها قيمة ومنزلة علينا أن نقتفي أثر العقيلة زينب.
لقد قال الإمام زين العابدين في حق السيدة زينب(ع) كلاما عظيما لما سئل عن زهدها وتقواها وورعها: (ما ادخرت شيئا لغدها أبدا)، ما كانت السيدة زينب تدخر شيئا من المال أو الطعام بل تنفقه في سبيل الله، وهي بالإضافة إلى ذلك عالمة محدثة، وتتحدث الروايات بأنها روت خطبة أمها فاطمة الزهراء(ع) في مسجد رسول الله(ص)، كما كانت مدرسة لتفسير القرآن.
إن السيدة زينب(ع) كانت معدن الصبر، ومن يلاحظ يجد أن جميع الصور التي تواردت أمامها منذ وفاة جدها إلى يوم وفاتها هي صور مأساوية محزنة، ولكنها بقيت شامخة عظيمة ولم تترك شيئا من عبادتها أو من القيم التي كانت تجسدها، والتاريخ يذكر موقفها العظيم أمام عبيدالله بن زياد حينما سألها –وقد وضع رأس الإمام الحسين بين يديه، وجلاوزته يحفون به-: (كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين؟) فأجابته: (ما رأيت إلا جميلا). انظروا إلى الفناء في الله، لأن الإنسان لا يخرج عن كونه أحد شيئين، إما مطيعا وعابدا لله، وإما مطيعا وعابدا للشهوات والنزوات، فإذا كان الله في قلب الإنسان ونصب عينيه يكون شجاعا وبطلا ذا موقف، ثم انظروا إلى هذه النظرية الفلسفية العالية بحيث تربط كل شيء بالجمال رغم وجود القتل والأسنة والرماح، وفي الدعاء: (اللهم إني أسألك بجمالك كله، وكل جمالك جميل)، هذه هي النظرة التفاؤلية للحياة...
أما دعاؤها؛ فقد ورد عن سيد الشهداء الإمام الحسين(ع) أنه قال لها: (أخية زينب! لا تنسيني بدعائك في صلاة الليل)، وكانت تصلي أثناء المعركة كما فعل أخوها الحسين وأبوها أمير المؤمنين وجدها رسول الله (ص) من قبل، ولا عجب فهؤلاء أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي التنزيل الذين أنزل الله فيهم (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) و(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) وقال بحقهم الرسول: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا)، وتقول فاطمة بنت الحسين(ع): (وأما عمتي زينب فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة –أي ليلة العاشر من المحرم- في محرابها تستغيث إلى ربها، فما هدأت لنا عين ولا سكنت لنا رنة)، وإليكم ما كانت تقوله في دعائها:
(يا عماد من لا عماد له، ويا ذخر من لا ذخر له، و يا سند من لا سند له، ويا حرز الضعفاء، ويا كنز الفقراء، ويا سميع الدعاء، ويا مجيب دعوة المضطرين، ويا كاشف السوء، ويا عظيم الرجاء، ويا منجي الغرقى ويا منقذ الهلكى، يا محسن يا مجمل يا منعم يا متفضل أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار وشعاع الشمس وحفيف الشجر ودوي الماء يا الله يا الله الذي لم يكن قبله قبل، ولا بعده بعد، ولا نهاية له، ولا حد ولاكفء ولا ند، بحرمة اسمك الذي في الآدميين معناه، المرتدي بالكبرياء والنور والعظمة، محقق الحقائق، ومبطل الشرك والبوائق، وبالاسم الذي تدوم به الحياة الدائمة الأزلية التي لا موت معها ولا فناء، وبالروح المقدسة الكريمة، وبالسمع الحاضر والنظر النافذ، وتاج الوقار، وخاتم النبوة، وتوفيق العدل، وهادي الحيران، سبحان من لبس العز وتردى به، سبحان من تعظم بالمجد والكرم، سبحان من لا ينبغي التسبيح إلا له جل جلاله، سبحان من أحصى كل شيء عددا بعلمه وخلقه وقدرته، سبحان ذي العزة والنعم، اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم الأعلى وكلماتك التامات التي تمت صدقا وعدلا أن تصلي على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين وأن تجمع لي خير الدنيا والآخرة بعد عمر طويل، اللهم أنت الحي القيوم، أنت هديتني وأنت تطعمني وتسقيني وأنت تنيلني برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إني أسألك يا عالم الأمور الخفية، ويا من الأرض بعزته مدحية، ويا من الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة مضيئة، ويا مقبلا على كل نفس مؤمنة زكية، ويا مسكن رهبة الخائفين وأهل التقية، يا من حوائج الخلق عنده مقضية، يا من ليس له بواب ينادى، ولا حاجب يرشى، ولا وزير يؤتى، ولا غير رب يدعى، يا من لا يزداد على الإلحاح إلا كرما وجودا صل على محمد وآل محمد وأعطني سؤلي إنك على كل شيء قدير).
أيها الأحبة...
أشكر الدكتور عصام عباس لجهوده الطيبة، وإذا أراد الواحد منا أن يتوج جهوده في مجال أهل البيت فلا يخف القلة لأن في جهوده النماء (ما كان لله ينمو)، ونهنئ العالم بأجمعه والمرأة المؤمنة الواعية المفكرة العاقلة الداعية الصبورة وكل امرأة تلبست بأي لبوس من هذه الأسوة الحسنة والقدوة الرائدة زينب بنت أمير المؤمنين(ع)، ونهنئ الشام لضمها مرقدها، ونعم ما قال الشيخ الشامي عبد الغني النابلسي:
زينب بنت
حيدر
معدن العلم والهدى
عندها باب حطة
فادخلوا الباب سجدا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.