المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الأول
سماحة الشيخ الأستاذ جميل أبو ترابي – وفد السويداء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف النبيين محمد المبعوث بالقرآن
للخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد...
بسم الله الرحمن الرحيم (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير
الحق أولئك لهم عذاب اليم) صدق الله العظيم
الإخوة الكرام، أيتها الوجوه الطيبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
وعدت صديقا بالاختصار، ولكن حينما يريد أحدنا التكلم عن بطلة التاريخ وعن طود شامخ
كالحوراء السيدة الطاهرة زينب(ع) أو يتحدث عن أخيها الحسين(ع) -وهو يتحدث عن وجهين
لحقيقة واحدة- يشعر المرء وكأنه يقف على ساحل بحر لا شواطئ له، ومن أراد أن يسبح في
البحر فكم عسى أن يسبح؟ وفي هذا الموقف يحضرني قول أحد الصوفيين الأفاضل:
سقوني، وقالوا: لا تغني، ولو سقوا جبال حنين ما ســــقوني لغنت
إنه
لشرف كبير أن نحتفي معكم بهذه المناسبة العطرة من كل عام، ذكرى ميلاد السيدة
الفاضلة زينب(ع)، لنتحدث إليكم ونستمع منكم مايسمح به الوقت عن مسيرتها النضالية
ومسيرة أخيها الحسين(ع) وحينما نتحدث عن سيرة أحدهما إنما نتحدث عن القدوة الصالحة
والمثل الأعلى للأجيال، كيف لا، وهما اللذان هزا وجدان التاريخ، وعاشا في الضمائر
الحية، وصارا رمزا مقدسا للبطولة النادرة والتضحية والفداء، ومشعلا وهاجا ينير سبيل
المجد والاستقامة والصلاح، ومدرسة للقيم الحضارية والأخلاقية. إن إحياء ذكر أولياء
الله الصالحين إحياء لتراث الأمة المجيد، وإحياء مناسباتهم الدينية يعمق في نفس
الإنسان الإحساس بالارتباط بهم كقدوة حسنة، ويؤدي دورا فعالا في تحقيق هذه الصلة
بين الإنسان المؤمن وهذه المسيرة الحضارية الربانية المباركة والسير على هديها
ونهجها.
أيها السادة... هنالك حكمة تقول: (إن الصخور تسد الطريق أمام الضعفاء، بينما يعتمد
عليها الأقوياء للوصول إلى القمة)، لقد كانت صخور النكبات والمآسي مرتكزا أساسيا
ومرتقى سهلا لقطبي كربلاء الحسين وعقيلة الأحرار سلام الله عليهما للوصول إلى أسمى
القيم الروحية وأنبل الأهداف الإنسانية، إلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل، إلى قول
الحق أمام سلطان جائر، إلى استعادة حرية وكرامة الإنسان ورفع الظلم عن جوهر وظيفته
الإلهية التي أسندها إليه سبحانه وتعالى ليكون خليفة على الأرض بقوله: (ولقد كرمنا
بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا
تفضيلا). إن قراءة سير الأعلام الأفاضل عبر التاريخ ينبغي ان تكون دافعا لاستخلاص
العبر والاستفادة من تجارب أصحابها الغنية وتطبيق ذلك على صعيد الواقع، فمنذ كربلاء
وحتى يومنا هذا كل يوم عندنا كربلاء، ومنذ ذلك الحين لم تعرف امتنا العربية
والإسلامية معنى الاستقرار وراحة البال، والتاريخ والواقع يثبتان معا أنها في تراجع
مستمر، الانقسامات في صفوفها والموجات الاستعمارية تتوالى وتتكالب عليها بين زمن
وأخر، فتمزق أوصالها وتشتت شعوبها، وتمتص خيرات بلادها، وهاهي أحلاف الشر تجمع
أشكالها من جديد وتزحف إلينا عبر أمواج البحار لتلطم وجه أمتنا بموجة من حديد،
وتحتل أغنى ربوع هذا الوطن الكبير يصولون ويجولون لايزعهم وازع يسفكون الدم العربي،
يقتلون الأبرياء، يهدمون المنازل فوق رؤؤس أصحابها، يستنزفون خيرات البلاد ويدنسون
المقدسات كما تفعل إسرائيل في فلسطين فما أحوجنا والحال كهذا إلى شخصية تأخذ دور
الحسين، وتستلهم روحه لتبعثها صرخة مدوية في نفوس الأباة، في كربلاء جديدة تكون
قضية الإنسان المظلوم، لتحرير كل شبر من أرض وطننا العزيز، وما أحوجنا أيضا إلى
شخصية تأخذ دور زينب وتستلهم روحها الوثابة لتصرخ في وجه الطغاة وتبث الحماس في
أوساط عالمنا العربي منادية حي على الجهاد لاستعادة حقنا المسلوب وإنقاذ مايمكن
إنقاذه. لقد كان الحسين وشقيقته الحوراء – كما يثبت التاريخ – يرميان في ثورتهما
إلى انتشال الأمة من جمودها. ولو كانت ثورتهما مجرد حركة مذهبية لما أمكن لها ان
تستمر، ولما أمكن لها ان تخترق هذه الحقب لتفرض ذاتها داخل الأبعاد المضيئة
لإنسانية الإنسان.
أيها الإخوة... رسالة الحسين في كربلاء ورسالة شقيقته زينب في دمشق امتداد لرسالة
جدهما(ص) التي حملها إلى العالم أجمع، رسالة تحمل معاني الخير والمحبة والسلام
والإصلاح (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) وقد بقيت رسالة تنبض بالحياة موجهة
لكل الأحرار كي ينهضوا بوجه التفرقة والتكفير والظلم. ولا يزال صداها يتردد في نفوس
الأجيال، حيث نسمع كل يوم صدى ملحمة كربلاء يدوي في الأفاق، فلنجعل من ذكرى استشهاد
آل البيت(ع) يوما لنبذ التعصب والاختلاف والتنازع ومن الآية الكريمة شعارا دائما
(ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم).
بطل في كربلاء يصمد أمام عقيدته التي حملها نورا للعالمين العربي والإسلامي، لا
يثنيه عنها وقع الأسل وبطلة في كربلاء والكوفة ودمشق، حملت راية أخيها الحسين
وتابعت مسيرته النضالية والإعلامية تبين للناس عدالة القضية التي استشهد من اجلها
وكانت بحق أهلا لهذا الدور فقد واجهت ابن زياد ببلاغتها النادرة ودافعت عن حياة
الأسرى وحمت كرامتهم وصمدت أمام قوارع كلم يزيد ومهاتراته، لا تثنيها أكاذيبه عن
قول الحق بكل أنفة وكبرياء، تدافع عن عقيدتها ومبادئها وعن أهل بيتها بكل ما أوتيت
من قوة، إنها سيدة النساء ومنارة الشام زينب(ع).
إن تأثير الأبعاد النفسية والإنسانية لرسالة كربلاء قد ألقت بضلال واضحة على مسيرة
الأجيال الحاضرة والمقبلة، وكان لهذه الرسالة أهداف هي المنطلق الأساسي لكل حركة
تحررية منها على سبيل المثال:
- المواجهة بين الحق والباطل، بين الظلم والعدل.
- الحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته.
- رفض الاستسلام للذل والمهانة، والسعي للتغيير ومواجهة ما يدعى بسياسة الأمر
الواقع الذي يفرضه علينا أعداء الحرية والسلام وخير مثال على ذلك، تلك العمليات
الاستشهادية التي يقوم بها أبناء أمتنا في فلسطين وجنوب لبنان كسلاح فعال لهذا
التغيير ولهذه المواجهة، هذه المقاومة الباسلة بنت عنوان حركتها التحررية على قوة
الاستشهاد وعدم النظر إلى موازين القوى وهذا ما أعاق تنفيذ المشاريع الصهيونية في
لبنان والمنطقة كلها.
أيها الحفل الكريم، يقول أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: (إياكم والفرقة، فإن
الشاذ عن أهل الحق للشيطان، كما أن الشاذ من الغنم للذئب)، فليكن ذلك حافزا لرفع
الروح المعنوية في نفوس أبناء امتنا ورص صفوفها ونقلها من ذل الاستكانة إلى عنف
الاستشهاد ونبذ أسباب الفرقة والاختلاف.
وفي الختام : إن مدرسة أهل البيت أثبتت طوال التاريخ عظمتها وحضارتها العلمية
والفكرية والاجتماعية، وستبقى مثلا أعلى للإنسانية ولحماية حقوق الإنسان، وستبقى
كربلاء الحسين ودمشق زينب منارة يقتدي بها الأحرار والثوار في كل مكان وزمان.
وفقنا الله جميعا إلى مافيه خير أنفسنا وعزة أمتنا وأرانا وإياكم يوما يصبح فيه
الحلم حقيقة وقد نعمت أمتنا العربية من محيطها إلى خليجها بالوحدة والحرية
والانسجام بين دولها فتخفق رايتها فوق سماء مجدها وتحيا عزيزة شامخة الرأس بين
الأمم، فيسود العدل ويعم السلام. ولا يفوتنا في هذه المناسبة الكريمة أن نرفع من
هذا المكان تحية إكبار واعتزاز إلى قائد مسيرة أمتنا على طريق العزة والكرامة في
هذا الزمن الصعب وراعي هذه اللقاءات المباركة السيد الدكتور بشار الأسد رئيس
الجمهورية حفظه الله ورعاه وسدد على طريق النصر والتحرير خطاه، كما نقدم شكرنا
وتقديرنا أيضا إلى منظم هذه الاحتفالات السنوية المتعددة والدائب على إنجاحها السيد
الدكتور عصام عباس وإلى معاونيه الأكارم، حيث لم يبخلوا بجهودهم في سبيل إحياء هذه
المناسبات الطيبة ولقاء هذه الوجوه الكريمة على بساط من المحبة والأمل المشرق
المتجدد، وشكرا لإصغائكم جميعا، وكل عام وأنتم بخير.