المهرجان الولائي الثالث عشر - اليوم الأول
كلمة الأستاذ محمد رضا باقري سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله
رب العالمين... الحمد لله قاصم الجبارين، مبير الظالمين، مدرك الهاربين، صريخ
المستصرخين، موضع حاجات الطالبين، معتمد المؤمنين... الحمد لله الذي هدانا لهذا وما
كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله...
إخواني... أخواتي... لغتي ضعيفة، ولكني أفضل أن أقرأ كلمتي باللغة العربية، لأن اللغة العربية لغة الدين... لغة الإسلام... لغة الثورة...
السلام على سيدتنا زينب الكبرى، بطلة كربلاء، وسيدة الصبر والإباء، ثم السلام عليكم أيها الإخوة المحتفون بذكرى ميلادها الميمون، ورحمة الله وبركاته...
ليس لمثلي أن يرتقي منصة الخطابة ليتحدث عن موضوع طبيعته أسمى وأعظم من أن تصل العقول إلى كنهه وحقيقته، وخاصة بعد الكلمات الواعية التي تفضل بإلقائها المتحدثون من قبلي ولا سيما صديقي فضيلة الدكتور محمد حبش، ولكن عشق الولاء لزينب دفعني إلى أن أرسم بريشتي المتواضعة صورا وسطورا أنتم أدرى بها مني، لا لشيء إلا لأشاطركم الاحتفاء بميلاد مليكة الحرية التي أطرت وأغنت مفهوم المرأة ومغزاه على طول الخط، فهي السيدة التي تتلمذ على مروءتها العديد من رجالات الإسلام، فما كان من المروءة إلا أن تنحني لعظمتها وعلو شأنها إجلالا.
ولدت (ع) في المدينة المنورة في الخامس من جمادى الأولى من السنة الخامسة للهجرة، واسمها كان عطية إلهية من السماء تلقاها الرسول الأعظم ومعناه (الفتاة القوية المكتنزة الودود العاقلة)، وقيل أيضا (الشجرة المثمرة العطرة والمعطرة لما حولها).
ذاقت حلاوة الحياة في فجر الصبا وهي في أحضان جدها المصطفى وأبويها وأخويها الحسن والحسين(ع)، وبعد خمسة أعوام، وتزامنا مع وفاة الرسول الأعظم شاءت الأقدار أن تعيش السيدة فترة عصيبة عجت بالأسى والمعاناة، وبعد مدة قصيرة من رحيل الصادق الأمين مضت زهرة الزهراء البتول وهي في عنفوان شبابها، وطافت أمواج قاسية من الحزن والألم بالحوراء زينب بعد أن فقدت جدها وأمها. وبعد ذلك شهدت جهاد أبيها الإمام علي على ثلاث جبهات مناهضة للحق؛ الناكثين والمارقين والقاسطين إلى أن رقت روحه بجملة (فزت ورب الكعبة) إلى عليين. وكانت محطتها التالية رؤيتها لأخيها الإمام الحسن يفتك السم بأوصاله ويتقيأ قطعا من الدم فانهارت قواها لقرب رحيله ودنو أجله. ثم عاشت بعد ذلك واقعة الطف المروعة واستشهاد أخيها الإمام الحسين وأصحابه البررة، وعانت وبقية عقائل الوحي ألوان المحن من مرارة السجن وشماتة الأعداء وظلم الأسر.
ورغم ذلك واجهت زينب هذه الكوارث برباطة جأش وإرادة واعية صلبة، ووقفت تخطب بوجه الحاكم الجائر بمنتهى العزم والجرأة كلمات أعادت إلى أذهان أهل الكوفة خطب أبيها ونبرات صوته الحادة، ومن يتأمل خطبها يعي من جهة أنها ترمي إلى توعية المجتمع بحقيقة الإسلام ومغزاه، وتعرية حكام الجور وفضحهم، ويقف من جهة أخرى على مدى بسالة الحوراء في وقفاتها بوجه الطواغيت دون أن تتنازل قيد أنملة عن المبادئ والحقوق، فقد وقفت بوجه عبيد الله بن زياد كالطود الأشم، وهتفت بعبارات مفعمة بالحمية والتأجج والحماسة لتصفه بالفاسق الفاجر، وجسدت أعظم الجهاد بقولها كلمة حق عند إمام جائر، حينما نعتت يزيد بن معاوية في بلاطه بابن الطلقاء، وخاطبته بقلب مفجوع ونبرات قوية حادة: (ولتردن على الله وشيكا موردهم، ولتودن أنك عميت وبكمت، وستعلم أينا شر مكانا وأضعف جندا، مع أني يا عدو الله وابن عدوه أستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، وأستكثر توبيخك). وحري بنا جميعا أن نعاود بين الحين والحين قراءة هذه الخطب التاريخية القاصعة بتأمل وإمعان لما تتضمنه من معاني الحماسة وبراعة البيان وفنون البلاغة، ولنرى كيف أفلحت في نسف جبروت الطاغية الحاكم، والحط من شأنه، وتذليل كبريائه من خلال كلمات هزت المشاعر، وأنارت الأفكار، وشخصت الداء، ووصفت الدواء.
فأين هم دعاة حقوق الإنسان والمرأة لاقتباس دروس الحرية والإباء من فيض معين أهل البيت الذي لا ينضب، ومن خلال نظرة عابرة على تاريخ الأديان التوحيدية، نستخلص أن هذا التاريخ لا يزخر فقط بعظماء من الرجال، بل إنه حافل بأدوار لعبتها المرأة فاقت في كثير من الأحيان دور الرجل، فأينما كان هناك عظيم كانت وراءه أو إلى جانبه امرأة؛ فإلى جانب إبراهيم الخليل لعبت هاجر وسارة أدوارا فاعلة سجلها التاريخ بأحرف من نور، وإلى جانب النبي موسى(ع) تتلقى أمه الوحي الإلهي، وإذ يتكلم عيسى في المهد صبيا تتلألأ والدته مريم لتغير مجرى الأحداث، وحينما أشرقت شمس الرسالة المحمدية لتدك صروح الإمبراطوريات في الشرق والغرب تبوأت خديجة الكبرى مكانتها المرموقة في الساحة دعما للرسالة والرسول، وحين دوى صوت العدالة الإنسانية على لسان علي (ع) اقترن هذا الصوت بكوثر الزهراء، وأخيرا، وفي ذات السياق، فأينما سمع اسم الحسين وثورة عاشوراء سطع اسم العقيلة زينب لتكمل مسيرة النهضة على مر العصور، أجل... فتاريخ كربلاء جسّد هو الآخر أروع الصور لتكامل دور المرأة والرجل على حد سواء. ومن نافلة القول أن نطل في هذه العجالة على قضايانا من خلال سيرتها المعطاء؛ فزينب اليوم في إيران الإسلام قدوة وأسوة تستلهم منها المرأة المؤمنة معاني الإباء والفداء، وقد دأبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على إضفاء مزيد من القدسية على هذه المناسبات الميمونة، وتعميم بركاتها على مختلف قطاعات وشرائح الشعب، فأعلنت ذكرى مولد الصديقة فاطمة الزهراء عيدا للأم، وذكرى ميلاد الحوراء زينب يوما للتمريض والممرضات، وليس بخاف على أحد الدور البناء الذي لعبته المرأة الإيرانية في خضم أحداث الثورة، وحسبنا على ما نذهب إليه كلام الإمام الخميني الراحل بحقها إذ يقول: (دور المرأة في المجتمع يفوق دور الرجل، وإن هذه النهضة رهينة بجهودها، وقد أصبحت عضوا فاعلا ومؤثرا في المجتمع، وكشفت قدراتها وطاقاتها وتبوأت مكانتها). وبعد انتصار الثورة الإيرانية ساهمت الشريحة النسوية بكل عزم وإخلاص في بناء المجتمع على مختلف الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية فضلا عن الصعيد العائلي.
إننا نناشد أبناء أمتنا للسير على خطا هذه الفاضلة، وأن تكون هذه الاحتفالات حافزا لأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا ولنا جميعا على الارتفاع لمستوى الأدوار الرسالية التي اضطلعت بها عقيلة بني هاشم، لا سيما في الفترة الراهنة التي تتعرض فيها المرأة المسلمة إلى تحديات صعبة وامتحانات عسيرة، فسلام على السيف الذي قارع في عالم البيان والإباء... زينب... وعلى من صاغت في التاريخ أروع صور الفداء... زينب... وعلى العزيمة التي ذل لشموخها العظماء... زينب... والصلاة والسلام على جدها وأبيها وأمها وأخويها وعلى الأطهار الميامين من ذرية أخيها وعليكم أيها المحتفون بذكرى ولادتها.
طوبى لهذا البلد الكريم في ظل سيدة الصبر، وبوركت جهود المسؤولين في الجمهورية العربية السورية وعلى رأسهم فخامة الدكتور بشار الأسد لرعايتهم واهتمامهم بمقامها الطاهر، وبوركت جهود القائمين على أعمال هذا المهرجان الولائي المعطاء، وخاصة أخينا العضيد الدكتور عصام عباس. والشكر... كل الشكر لكم جميعا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.