مهرجان النجمة المحمدية
الولائي
الثاني عشر
المجلس الثاني: المركز الثقافي العربي بالمزة
كلمة سماحة العلامة الشيخ الدكتور حسن الصفار (السعودية)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد
وآله الطاهرين وصحبه الأوفياء المخلصين....jpg)
السلام على سيدتنا عقيلة الطالبيين مفخرة الإسلام ومنارة الشام بطلة كربلاء سيدتنا
زينب صلوات الله وسلامه عليها...
لا بد وأن أختار زاوية معينة أو نقطة محددة أنطلق منها في الحديث عن هذه المنطقة
اللامتناهية من المكارم والفضائل والقيم العظيمة وسأختار جانبا واحدا يتعلق بالمهمة
الكبيرة التي أنجزتها السيدة زينب (ع) بالاشتراك مع أخيها الإمام الحسين (ع).
ينبغي أن نقرأ ثورة الإمام الحسين (ثورة كربلاء) باعتبارها ثورة للتصحيح ولتحرير
الدين من الاستغلال، خاصة وأننا نعيش في هذه المرحلة مشكلة وفتنة عظيمة تحمّل من
ورائها الإسلام والمسلمون أعباء وآلام ومخاطر جسيمة، هذه الفتنة هي فتنة استغلال
الدين وتشويه صورته. إن الله سبحانه وتعالى أنزل دينه رحمة للعالمين وهداية للناس
ولكن هذا الدين الرحمة وهذا الدين العدالة والذي هو في جوهره أفضل منهج لتأمين حقوق
الإنسان وكرامته، طالما تعرض للاستغلال وأصبح سيفا مشهورا بأيدي الطغاة أو بأيدي
بعض الفئات المستَغلة من قبل الطغاة أو الطامحة لبعض المكاسب والمصالح.
كان يزيد بن معاوية والحكم الأموي يتستر بستار الدين، فيزيد أمير المؤمنين وتقام
صلاة الجمعة والجماعة ويتلى كتاب الله، المظاهر الدينية كانت موجودة ولكن كان الدين
ستارا للظلم وغطاء للجور والانحراف والفساد وهذا ما ثار عليه الإمام الحسين والسيدة
زينب (ع)، ونحن في هذا العصر نواجه هذه الفتنة أيضا وهذه المشكلة. إن فئات باسم
الدين والإسلام صارت تمارس أعمالا توجب اضطراب الأمن، هناك سفك للدماء وانتهاك
للحرمات وممارسات سيئة إجرامية تنسب للدين. هذه الممارسات التي حصلت في هذه الفترة
وأعطت المبرر للأعداء حتى ينفذوا ما يريدون من مخططاتهم في بلاد المسلمين وهي تجري
باسم الإسلام والدين وكما قال القرآن الكريم (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها
آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا
تعلمون، قل أمر ربي بالقسط)، لا يمكن أن يقبل الله تعالى بأي درجة من درجات الظلم
والاعتداء على حقوق الناس، ولعل الأعداء هم وراء هذه الأعمال والتصرفات حتى يشوهوا
صورة الإسلام الذي أخذ في الانتشار وأخذت قيمه تلتقي مع النتائج التي توصل إليها
تقدم البشر، وبالتالي فإن البشرية ستصل إلى ما وضعه الدين وما جاء به الوحي ولكن
بعد مسيرة طويلة من الكفاح والتجارب أراد الوحي أن يوفر هذه التجارب على البشرية
وأبان هذه التعاليم والقيم من أول يوم وبالتالي ستحتشد البشرية عند هذه القيم
الإلهية فهي القيم الحقة الصحيحة، وفي عصرنا هذا حصل الاختراق وبدأت هذه القيم تتضح
أمام البشرية بفعل تطورها وتقدمها المعرفي والتكنولوجي فتأتي هذه الفتن العمياء لكي
تشوه صورة الدين بممارسات سلبية سيئة لا تلتقي مع قيم الدين، وقد سمعنا ورأينا ما
حصل في الدار البيضاء والرياض وما اكتشف أخيرا في مكة كما أبانت السلطات السعودية
حيث وجدوا مصاحف ملغمة ومعدة للتفجير عند هؤلاء المتشددين المتطرفين وقبل ذلك حدث
في سورية مثل هذه الأعمال باسم الدين والإسلام وبالتأكيد (قل إن ربي لا يأمر
بالفحشاء)... (قل أمر ربي بالقسط) لا يمكن أن يرضى الله تعالى بمثل هذه الأعمال
والتصرفات. أمس قرأت في الصحف خبرا هالني وصدمني ولكنه نتيجة طبيعية لهذه التوجهات
وهو أن الشرطة في زامبيا عثرت خلال دهمها مدرسة إسلامية على 280 طفلا محتجزين في
أقفاص حيث كانوا يرغمون على تعلم التدريب العسكري واللغة العربية وأوضح شرطي شارك
في عملية الدهم لوكالة فرانس برس أن معظم التلامذة في العاشرة من العمر وأن المدرسة
التي كانوا محتجزين فيها تقع في إحدى ضواحي لوساكا الشعبية. هكذا يظهرون الإسلام
أمام العالم... أطفال يوضعون في أقفاص من أجل أن يتعلموا الإسلام ويتربوا قسرا
عليه... هذه الممارسات التي شوهت الإسلام تحتاج إلى مقاومة عبر النماذج الصحيحة
الأصيلة التي تحمل قيم الإسلام وفكره، ومشكلتنا أن البعض تخلى عن هذه القيم وشرقوا
أوغربوا وأبقوا الساحة فارغة لمثل هذه الجهات والفئات. الإسلام هو الكنز العظيم
الذي يحفظ لنا هويتنا وكرامتنا، وهو الأمانة التي يجب أن نحملها إلى العالم وشعوب
الأرض، وعلينا أن لا نسمح بتلويث أو طمس هذه الأمانة المشرقة. نعم... سيدتنا زينب
وأخوها الحسين كان دورهما في واقعة كربلاء الوقوف أمام هذا الانحراف وهذا الاستغلال
للدين؛ فالدين هو العدالة والحرية وكرامة الناس وحقوق الإنسان، وحينما كان حكم يزيد
بن معاوية يمارس الظلم والجور رفض الإمام الحسين والسيدة زينب (ع) هذه الممارسات
المنحرفة.
بقي أن نقول أن الإمام الحسين (ع) ما أراد لحركته أن تكون دموية وقتالية من ناحية
الشكل، بل أرادها حركة سلمية ولذلك سعى وحاول إلى آخر لحظة من اللحظات تجنب
المعركة؛ فقد أتيحت لسفيره مسلم بن عقيل فرصة لاغتيال عبيدالله بن زياد عندما جاء
لزيارة شُريك ولو فعل ذلك لتغير المسار، ولكنه امتنع وعندما سئل عن ذلك أجاب:
(الإيمان قيد الفتك)، وعندما واجه الإمام الحسين في طريقه إلى كربلاء طليعة الجيش
الأموي بقيادة الحر بن يزيد الرياحي وقد أخذ منهم الظمأ مأخذا كبيرا طرح أحد أصحاب
الإمام الحسين الاستفادة من هذه الفرصة ومقاتلة هذه الطليعة لاغتنام أسلحتهم وليكون
ذلك رادعا لمن يأتي خلفهم فرفض الإمام الحسين وقال: (إنا لا نبدأهم بقتال)، وعلى
العكس من ذلك استقبلهم بالماء وقال: (اسقوا القوم ورشفوا قلولهم ترشيفا)، منحهم
الحياة وقد كانوا على مشارف الموت عطشا وظمأ، وفي يوم عاشوراء أيضا عندما حصلت
ملاسنة قبل بداية المعركة بين حبيب بن مظاهر الأسدي وبين أحد أفراد جيش ابن سعد
أراد حبيب أن يوجه له سهمه فمنعه الحسين وقال إني لا أريد أن نبدأهم بقتال، ولكن
حينما بدؤوا التفت الحسين إلى أصحابه وقال هذه رسل القوم قد جاءت إليكم فقوموا بارك
الله فيكم ودافعوا عن أنفسكم وعن عيالاتكم... إذن كان موقفه في الحرب موقفا دفاعيا،
إذ خرج من مكة المكرمة حتى لا تحصل مشكلة في الحرم وتنتهك حرمته بقتل الإمام
الحسين... كان يريد أن يتجنب أي نوع من أنواع المواجهة العسكرية ولكن الجيش الأموي
هو الذي فرض هذه الحالة، ويحدثنا التاريخ كيف أن جلسات وحوارات دارت بين الإمام
الحسين وعمر بن سعد واستمرت ليالي في كربلاء وأوشك الاتفاق أن يحصل بين الطرفين
طالما خطب الإمام الحسين فيهم: (إني لم آتكم إلا بعد أن وصلتني رسائلكم، فإن كنتم
لمقدمي كارهين فدعوني أنصرف لأرض الله-وفي مرة أخرى من حيث أتيت، وفي مرة ثالثة إلى
ثغر من ثغور الإسلام-) وكاد الاتفاق أن يحصل بأن ينصرف الإمام الحسين من كربلاء
ويذهب إلى ثغر من ثغور الإسلام ونهاية الأمر أن الإمام الحسين يعلن موقفه سلميا
بأنه يرفض حكم يزيد بن معاوية ولا يريد أن يعطيه الشرعية والاعتراف أو يبايعه، ولكن
القوم لم يتحملوا منه هذا الموقف، فقام شمر بن ذي الجو شن الذي يطمع بمكان عمر بن
سعد في قيادة الجيش بكتابة رسائل إلى ابن زياد ووشى بعمر بن سعد ففسد ذلك الاتفاق.
هذا ما جرى في الظاهر رغم أن ما حصل كان مكتوبا ومقدرا ضمن مخطط إلهي يسير الإمام
الحسين فيه إذ قال في أول يوم (شاء الله أن يراني قتيلا) وقال عن السيدة زينب
وأخواتها: (شاء الله أن يراهن سبايا)، وقد حصل ما كتبه الله سبحانه وتعالى بهذه
الصورة الدموية الأليمة لكي يأخذ الحدث موقعه في وجدان الإنسان ومشاعره طول التاريخ
إلى جانب ما تجلت عنه الأحداث من مواقف وبطولات عظيمة باسلة. إذن جانب من جوانب
عظمة السيدة زينب هذه المهمة الكبيرة التي أنجزتها إلى جانب أخيها الإمام الحسين
أنها تصدت لحالة التستر في الدين وممارسة الظلم والفساد باسم الدين عبر خطبها
وكلماتها ومواقفها، كل حياة السيدة زينب كانت مكرسة للقيام بهذا الدور، ونحن نقرأ
عن المظاهر العاطفية في حياة السيدة زينب وبكائها، إن بكاءها لم يكن حالة عاطفية
انفعالية عفوية وإنما كان وظيفة ودورا تؤديه بلفت النظر وتوجيه القلوب والنفوس إلى
حقيقة ما حدث في كربلاء ولذلك يتحدث المؤرخون كيف أن بكاء السيدة زينب هو الذي أشعل
نار الثورة في المدينة على الحكم الأموي وكيف كانت مواقف السيدة زينب حتى في الشام
أيام حكم يزيد إذ أثارت أمواج الاستياء والرفض والنقمة على سياسة يزيد.
أيها الأخوة الأعزاء... أيتها الأخوات الكريمات...
إن منهج السيدة زينب يقول لنا ويحدثنا ويوجهنا إلى وظيفتنا... إن علينا أن نتمسك
بقيم الدين الحقيقية، وأن ندافع عنها في وجه من يتنكر لها، فهناك من يتنكر للدين
وغالبا ما يكون التنكر ناشئا عن الجهل بحقيقة هذه القيم... وهناك جهة أخرى وهم
الذين يستغلون قيم الدين فعلينا أن نتحمل مسؤوليتنا تجاه من ينكر ويتنكر لهذه القيم
عبر نشر الوعي وتعريف الناس بحقيقة القيم الإلهية الصحيحة. وعلينا أن نواجه من
يحاول استغلال الدين وتوظيفه وتجييره من أجل مصالحه ولعل هذه الفئة الثانية هي
الأخطر والأشد، ونحن في هذا العصر نواجه هذا الموقف، موقف المدافعة عن قيم الدين
تجاه من يريد استغلال هذه القيم وعناوين الدين لكي يطرح الإسلام وكأنه تطرف وإرهاب
ورجعية، وبالتأكيد فإن الأعداء يضخمون الأمور ويخلطون بين الإرهاب وبين الحق المقدس
في الكفاح والنضال، ولكننا أيضا يجب أن نكون جريئين وواضحين في فضح أي استغلال
للدين بأي شكل وبأي صورة من الصور. إن القرآن الكريم يتحدث في آيات كثيرة ضد هذا
الصنف من الناس فيقول: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا)، قد يمارس الظلم من جهة
ما تريد التسلط فهذا أمر قبيح ولكن أن يمارس الظلم باسم الله وباسم الدين فهذا
افتراء وكذب على الله، ولدينا أكثر من آية في القرآن الكريم تقول (ومن أظلم ممن
افترى على الله كذبا) وهذا هو نهاية الظلم وأشد أنواعه أن يمارس الظلم بحق الناس ثم
ينسب إلى الله وبأنه يحصل من أجله. وفي يوم كربلاء كان عمر بن سعد يخاطب الخيل التي
وطئت صدر الإمام الحسين وعدَت على خيامه ومعسكره بقوله: (يا خيل الله اركبي،
وبالجنة أبشري)... الخيل التي يطلب منها أن تقوم بأفظع جريمة تخاطب بهذه العبارة!
إن حياة الإمام الحسين وكل أهل البيت هي كما قال رسول الله (ص) لعلي بن أبي طالب
(ع): (إنك ستقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتَ على تنزيله) تأويل القرآن أي تبيين
حقائقه وتبيين المقاصد الحقيقية للإسلام بوجه من حاول التزييف وسوء الاستغلال.
بقي أن نشير إلى أنه في مجال المرأة هناك ظلم وإجحاف بحقها باسم الدين وبأن الدين
يريد للمرأة أن تبقى جاهلة منكفئة على نفسها مهمشة في مجتمعها كما نقرأ في بعض
النصوص غير الثابتة أو التي يساء فهمها، وقبل فترة كنت أقرأ كلمة في جريدة لأحد
العلماء الكبار عندنا في المملكة جاء فيها حول ما كانت عليه المرأة: (كانت المرأة
إذا كلمت الرجل الأجنبي ترتعد فرائصها وتتصبب عرقا وتتلكأ في ألفاظها خجلا وحياء)
بالله عليكم هل ينطبق وصف هذه المرأة على السيدة زينب التي خطبت في مجلس يزيد أم
على السيدة الزهراء التي خطبت بعد وفاة رسول الله أو أمهات المؤمنين اللاتي كن
يحدثن الناس ويرجع إليهن الصحابة في الروايات والأحاديث؟! من أين جاء هذا التصوير
للمرأة؟! ومن أين اعتبروا أن هذه الصورة هي صورة المرأة في الإسلام؟! وفي إحدى
الدول الخليجية أصدرت الحكومة قبل سنوات قرارا بمشاركة المرأة في الانتخابات
النيابية ولكن النواب وخطباء الجمعة تحدثوا ضد مشاركة المرأة في الانتخابات على
أساس أن المرأة لا حق لها في أن تَنتخب أو تُنتخب واعتبروا ذلك حراما شرعا بينما
نتحدث عن حياة السيدة زينب التي كانت تقود الثورة وتحمل صوتها وتواجه أعنف حاكم في
عصرها وتحملت تلك المهام الكبيرة. إذن عن أي إسلام يتحدث هؤلاء وأي صورة يريدون أن
يرسموا للمرأة؟ هذه صورة خاطئة وعلينا أن ننقذ الإسلام من هذا الزيف وبالتالي أن
ننقذ أنفسنا من هذه الحالة المتخلفة التي يحاول البعض أن يفرضها علينا باسم
الإسلام. إن حياة السيدة زينب وأهل البيت (ع) هي الصورة الحقيقية للإسلام والصوت
البليغ لرسالته، وحينما نحتفي بذكرى السيدة زينب إنما من أجل أن نستحضر هذه المواقف
والقيم.
شكرا لكم جميعا على إصغائكم وشكرا لأخينا العزيز الدكتور عصام عباس على هذه الجهود
العظيمة التي يقوم بها من أجل أن نجتمع ونحتفي جميعا بهذه المناسبة ونقتبس من نورها
وأشعتها. أسأل الله تعالى أن يضاعف له الأجر وأن يوفقه للمزيد من العطاء وكل عام
وأنتم بخير والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.