مهرجان النجمة المحمدية
الولائي
الثاني عشر
المجلس الثاني: المركز الثقافي العربي بالمزة
كلمة الأستاذ عبد الله الأطرش – عضو مجلس الشعب
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد
المرسلين وآله وبعد....jpg)
أستعين بالله في أول مداخلتي، لكنني ما جئت محاضرا فهذا شأن من نقدر ونحترم من
السادة العلماء والباحثين والأدباء، غير أنني جئت منتميا إلى حيث توضعت مكارم
الأخلاق في بيت ملأت الطهارة جوانبه، وكسا العفاف أركانه، وطيبت نظافة النفس واليد
واللسان أهله، وزينه حر الشمائل وعظيم الفضائل، وحباه نبي الله محمد(ص) بحبه
ورعايته وجميل مزاياه. سرّه بسكانه، يرعاه علي وتكلؤه الزهراء ويزينه الحسن والحسين
وتشرق النور فيه زينب، وقد خصه العلي القدير بالطهر والتطهير بقوله الكريم:
(إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا).
ألم يكن علي (ع) وليد البيت العتيق وباب مدينة العلم وأول من لبى وأجاب وأعلن نصرته
لرسول الله، قاد البررة وقاتل الفجرة؛ فهذا المشرك مرحب مجندل في معركة خيبر، وذاك
عمرو بن عبد ود العامري صريع في معركة الخندق التي يقول فيها النبي محمد (ص):
(لـَمبارزة علي بنِ أَبي طالِب لِعمرو بن عبد ودّ يَومَ الخَندَق أَفضلُ مِنْ
أعمَال أُمَّتِي إلى يَوم القيامَة) ويؤكد لعلي أنّ (أنت مني وأنا منك) و(أنت أخي
وصاحبي). وأيضا ألم تكن (ستنا) فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين من الأولين
والآخرين بل سيدة أهل الجنة وبضعة من سيد الرجال، أليست والدة الحسن والحسين(ع)
ريحانتي الرسول الأعظم وقد بشر جبريل (ع) بأنهما سيدا شباب أهل الجنة. أما إشراقة
النور في زينب فهي تنير سموا ورفعة أن اختار الله لها هذا الاسم وما كانت تلك
التسمية لتكون إلا وعدا وقدرا لرسالة خالدة ولإشراقة لا تغيب عن الوجود أبدا، وهي
التي جمعت مع جميل الاسم وعراقة النسب وشرافة الحسب لأفضل جد وأب وأم وأخ وخال حر
الشمائل وبديع السجايا وكريم الفضائل وعمق الإيمان وفصاحة اللسان والقدرة على الفهم
والإفهام والجرأة في قول الحق والذكاء الوقاد الذي يعبر عنه المنطق السليم والقول
الرخيم والتفسير الأمين لآيات الله البينات. لقد تعلمت منها وعلمت، واهتدت بنورها
وهدت بلا وسيط ولا وسائط إلا قلب يفقه وعين تبصر وأذن تسمع لتكون حاضرة أبدا في
مدينة العلم وقائمة على الدوام على أبوابها، عالمة بأخبار ما قدر لأبيها من شهادة
وما كتب على أخويها وأهلها من محن ومآس في كربلاء، وكأنما القدر كان يؤهلها كي تعيش
هذه الأحداث الصعبة وتتصدى لها حاملة للأمانة مؤدية للرسالة برؤية العالمة غير
المعلمة ووعي الفهمة غير المفهمة. فما حدث في كربلاء من فظائع ومآس فاق خيال التقول
والتنبؤ عن مقتل الحسين وأهله فلقد بلغت تصرفات الجيش الأموي بقيادة السفاح ابن
زياد وزبانية الرشوة والغدر والخيانة من البشاعة والوحشية والتنكيل والطغيان حدا
يندى له جبين الإنسانية ووصمة من العار أخجلت تاريخ الحرب والمحاربين وشنارا تلعنه
الأجيال حينا بعد حين؛ تحز فيه الرؤوس وتقطع الأوصال ويقتل الرضيع في حضن أبيه
وتساق النساء سبايا وكلهم من أهل بيت نبي الله! لا حرمة لوصية ولا شفاعة لشفيع. فهل
جرب الله خائفيه في كربلاء؟ حيارى فيما يرون ويسمعون والوعد أنهم أحباء محمد (ص)،
ومن أحب محمدا أحبه الله فكيف يفسر ذلك وكيف يمكن أن يكون؟ إنه الإحباط. أفيكون بعد
الإيمان ردة؟ أتزوغ النفوس؟ وبعد الإيمان يكون النكوص والنكول؟ لا، لا... لا والله
لم يكن هذا ولا ذاك في يقين زينب بنت علي حفيدة رسول الله إنما كان هناك تمسك
بعبادة الله ورضى وتسليم بمشيئته وادخار لأرواح الشهداء في خزائن الله الواسعة
وتضرع ودعاء أن يتقبل مالك السماوات والأرض من آل البيت هذا الكم من الشهداء البررة
الأكبر عددا والأعظم شأنا، قربانا على مذبح الإيمان والحق الجهاد بحيث يكون بداية
لمشوار طويل من الجهاد واليقين ووعي واستيعاب للسبب والواقعة والنتيجة. أما السبب
فهو عدالة القضية، والعدل يقضي أن يعلو الحق ولا يعلى عليه أما الواقع أن لا تعني
خسارة معركة خسارة الحرب في نصرة الله والقضية، أما النتيجة فهي أن لا يتمكن الباطل
أن ينتصر على الحق وأن لا يكون هناك إمكانية لضياع حق وراءه مطالبة أو مطالب، فلا
بد لعقيلة بني هاشم من الثبات على المبادئ والقيم والشيم ومكارم الأخلاق من أجل
بناء خير أمة أخرجت للناس والتصدي للمحرفين والقاسطين على حدود الله وتسييس الدين
لما يؤمن مصالحهم وأهواءهم ولا بد من الرفض للهزيمة ولأنواع الرعب والهلع الذي
أراده ابن زياد من عرض لأجسام حزت رؤوسها وأجساد قطعت أوصالها ومن رفض لحقد سافر
موجه من ابن زياد إلى عقيلة بني هاشم لما تراه من فعله بأخيها بردها الحاسم: (ما
رأيت إلاّ جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع
الله بينك وبينهم، فتحاجّ وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك أمك يا ابن مرجانة)
فكان هذا الرد امتلاكا منها لزمام المبادرة والسيطرة على ما يدور حولها من ظروف
وأوضاع وتأكيدا على أن هذا القربان المرفوع إلى السماء سيخلد ذكرى الأحرار ويمحو
ذكرى الطغاة والأشرار كما ورد في مخاطبة السيدة زينب ليزيد بن معاوية بأعلى الصوت
والتحدي:(فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا،
ولا يرحض عنك عارها. وهل رأيك إلاّ فند؟ وأيّامك إلاّ عدد؟ وجمعك إلاّ بدد؟) فإن
كان الله أيها السادة يمهل ولكنه لا يهمل فمن عمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن عمل
مثقال ذرة شرا يره، فأين هو يزيد الآن وقد تبدد جمعه في جحيم جهنم وطويت أيامه بلا
عدد وانطمس ذكره في دياجير الظلام بينما زينب وآل بيتها في أعلى عليين تحج لمثواها
الأنام وتستنير بهديها الأيام وتخلد مع الخالدين في جنة الرحمن، اسمها على كل لسان
ومكرماتها في كل مكان.
أيها السادة الأكارم...
بعد هذا إن انتميت فلي فخر الانتماء، وإذا رغبت فإلى الله أضرع بطلب الشفاعة
والرحمة السمحاء، وإن رجوت فلأمتي العون والاقتداء بسيرة المجاهدين الأتقياء ذبّا
عن حقنا وعرضنا وأرضنا من رجس المعتدين الدخلاء.
أيها الأخوة الأكارم...
إن المعتدين الدخلاء يحتاجون في أيامنا هذه إلى أمثال زينب لتقف وقفة تحدّ، وقفة
الأقوياء، وقفة الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، يقولون أولا لأبناء جلدتنا...
لأبناء إيماننا: (اصدقوا مع نفوسكم قبل أن تصدقوا مع الآخرين) ولعمري ما صدقت نفس
مع ذاتها إلا وانتصر صاحبها... اصدقوا بقول الحق لأنفسكم أولا ثم لشعوبكم. الشعوب
دوما صادقة... الشعوب دوما معطاءة... الشعوب دوما مستعدة لإبداء الحق...الشعوب دوما
مستعدة لتقديم الضحايا. وما على من نحتاجه للقيادة والريادة والعمل بالسياسة وحشد
الجهود إلا أن يكونوا بحاضرة زينب كما كانت عليه زينب أمام يزيد وابن زياد وكما
كانت عليه في دعوتها إلى المحبة لأنها كانت تعطي المحبة فالله نور المحبة، وإن
أحببنا بعضنا بعضا سكن الله فينا، فكم هو جدير بنا أن نطلب من السيدة زينب وهي في
عليائها أن تكون حاضرة معنا وهي دوما حاضرة معنا كيف لا وها هي تشمخ في دمشق لتقول
لدمشق اصمدي كما هي عادتك... قودي كما هي عادتك... علمي كما هي عادتك. إن الوطن
بحاجة لأبنائه، وإن أبناء الوطن بحاجة إلى عطائه، فإن تكاملت الأبناء مع الأوطان لا
يمكن أن يصح إلا الصحيح خاصة وأن دمشق فيها فارس معطاء... فيها شاب تعلم من أبيه
كما تعلم من السيدة زينب... يقول الحق والحقيقة الواضحة الشفافة أمام شعوب العرب
والعالم ليعرف العالم أن الحقيقة في الجرأة بقول الحق. وهاهو يقف كما وقفت السيدة
زينب في المحافل الدولية ليقول لكثير من إخوانه اتقوا الله فينا وفي شعوبكم فإن
اتقيتم الله فينا وفي شعوبكم لا بد أن يتحقق النصر.
سلام عليك أيتها السيدة الفاضلة... سلام عليك يا بنت (ستنا) فاطمة، واسمحوا لي أن
أكرر هذا الكلام، لأنني أكرره بتعاطف ملؤه الحب والحنان والشوق إلى رعايتها وحنينها
وصدقها.
بوركت هذه المناسبة العطرة التي تدفعنا إلى المزيد من اجتماع الكلمة وتوحيد الصفوف
وجمع القلوب على المحبة والإيمان وشكرا لمن حقق لنا هذا الاجتماع العظيم وصلى الله
على سيدنا ونبينا محمد وآله أجمعين والحمد لله رب العالمين... وشكرا لإصغائكم.