مهرجان النجمة المحمدية
الولائي
الثاني عشر
المجلس الأول: حسينية الزهراء
كلمة الافتتاح: سماحة العلامة الشيخ الدكتور حسن الصفار (السعودية)
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم جميعا ورحمة
الله وبركاته....jpg)
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وحبيب
قلوبنا وشفيع ذنوبنا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين
المعصومين.
السلام على سيدتنا ومولاتنا عقيلة الطالبيين بطلة كربلاء مفخرة الأمة والشام السيدة
زينب بنت أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليها وعلى آلها الطاهرين.
أبارك لكم أيها الإخوة الأعزاء والأخوات الكريمات هذه المناسبة العطرة ذكرى ميلاد
سيدتنا زينب صلوات الله وسلامه عليها، وبهذه المناسبة أتحدث شيئا مختصرا عن جانب
وبعد من حياة هذه السيدة،
قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة
والزكاة ما دمت حيا) هذه الآية الكريمة جاءت عن لسان نبي الله عيسى بن مريم (ع) وهي
تعبر عن واقع وحال أي ولي من أولياء الله المصطفين المختارين...
(وجعلني مباركا) البركة هي النماء، والمبارك كما يقول المفسرون هو النفّاع للناس
الذي له نماء وعطاء ينفع الناس، (وجعلني مباركا) أي جعلني معطاء للناس (أينما كنت)،
هذه هي سمة الأولياء وسمة من اصطفاهم الله سبحانه وتعالى من الأنبياء والأوصياء
والأولياء أنهم نفّاعون للناس.
وكتمهيد لهذه الحقيقة أقول لو تصفحنا حياة الناس المعاصرين معنا أو قرأنا سير
الماضين في التاريخ لوجدنا أن الناس أصناف في هذا الجانب، قسم من الناس لا نمو لهم
حتى فيما يرتبط بناسهم، هو غير نام، يقف عند حد معين من النمو وأقصد النمو هنا
بمعناه المعنوي والعملي أما النمو الجسمي فهو حالة طبيعية وقد تكون حالة مرضية تمنع
النمو الجسمي فمرض من الأمراض يمنع نمو الإنسان الجسمي أو العقلي لكن الحديث عن
النمو العملي والمعنوي، قسم من الناس لا ينفعون حتى أنفسهم ويقصرون تجاه أنفسهم
وكما يقول القرآن الكريم عنهم: (وهو كَل على مولاه أينما يوجهه لا يأْت بخير)، هو
لا ينفع نفسه ويعيش عالة على غيره، هذا قسم من الناس، وقسم آخر ينفع نفسه ولكن
عطاءه ونفعه يتوقف عند حدوده الذاتية فهو أناني يعطي لنفسه ويعمل من أجلها فقط ولا
يهمه الآخرون ولا يعمل من أجلهم، هذا هو القسم الثاني أما القسم الثالث فيتوفق
للعطاء ويساعد الآخرين وينفعهم ولكن ضمن حالة زمانية أو مكانية محدودة أو ضمن واقع
وصفة معينة فهو قد يكون معطاء للناس في بلده وحين تفرض عليه الظروف الهجرة
والابتعاد فقد لا يكون في هذه الظروف قادرا على العطاء أو لا يتجه بهذا الاتجاه،
وقد يعطي في فترة شبابه فإذا كبر سنه توقف عن العطاء، وقد يعطي في فترة ارتياحه
النفسي فإذا تأثر نفسيا بمشكلة لم تعد لديه قابلية للعطاء، وفي أفضل الظروف فإن بعض
الناس يكونون معطائين في حياتهم فإذا انتهى أجلهم في هذه الحياة توقف عطاؤهم... هذه
هي أصناف الناس.
إذا قرأنا سيرة الأولياء ومنهم سيدتنا زينب التي نحتفي الليلة بذكرى ولادتها العطرة
فسنجد واقعهم ولسان حال كل واحد منهم (وجعلني مباركا أينما كنت) فهم في عطاء دائم
مستمر في جميع مراحل العمر وفي كل مكان جغرافي وفي أية حالة من الحالات التي تعتور
أجسامهم أو نفوسهم بل ويمتد عطاؤهم إلى ما بعد وفاتهم ورحيلهم عن هذه الحياة.
سيدتنا زينب هكذا كانت وما تزال مباركة أينما كانت، حينما كانت تعيش في المدينة
المنورة كان لها عطاء، وحينما انتقلت مع أبيها إلى الكوفة تجدد عطاؤها، وحينما
رافقت أخاها الحسين في كربلاء تدفق عطاؤها الثر، وحينما كانت في الكوفة سبية أسيرة
وحينما دخلت الشام مصابة مكلومة وحينما آبت إلى المدينة محزونة مفجوعة وحتى حينما
التحقت بالرفيق الأعلى وتشرفت أرض الشام بجسدها الطاهر فإن عطاءها مستمر، وهذا
الوجود الإيماني والديني والمعرفي هنا إنما هو تجلٍّ من تجليات عطاء السيدة زينب.
(وجعلني مباركا أينما كنت) أي سواء كانت جسدا يمشي ويتحرك على الأرض ضمن الحياة
المادية أو كانت جسدا يضمه الثرى بعد أن التحقت روحها بالرفيق الأعلى فهي عطاء
مستمر دائم وبركة ونمو... وهنا أشير إلى بعض العينات والنماذج من عطاء السيدة زينب
في مختلف المجالات المادية والمعنوية والمعرفية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية
وهي بعد صغيرة في سنها لكنها كانت قد دخلت مرحلة العطاء وأخذت تفيض من حنانها
وعطفها على الآخرين. يذكر المؤرخون كما هو ثابت أن السيدة زينب فقدت أمها فاطمة
الزهراء وهي صغيرة في السن قد أكملت الخامسة من العمر وغابت فاطمة الزهراء بجسدها
عن البيت العلوي فأصبح مظلما بفقدها، وكان في حاجة لمن يملأ هذا الفراغ ويأخذ دور
الزهراء، يتحدث المؤرخون كيف أن زينب الصغيرة في السن ملأت فراغ أمها بشكل أو بآخر
فكانت هي سيدة بيت علي وكانت هي ملجأ تلك العائلة على صغر سنها، صحيح أن عليا قد
تزوج أمامة تنفيذا لوصية الزهراء ولكن أمامة مع مكانتها وفضلها لا تكون شخصيتها
ونفسيتها وصفاتها وسماتها كالغصن المتفرع من شجرة فاطمة الزهراء أي كزينب، فزينب هي
التي ملأت هذا الفراغ. وبعد ذلك في حياة أبيها علي في الكوفة كان بيت زينب مدرسة
للعطاء العلمي، وكانت النساء تقصدها لتستلهم منها العلوم والمعارف في تفسير القرآن
والحديث النبوي وفي أخلاق الحياة وما يحتاجه الإنسان في شؤونه المختلفة. وفي كربلاء
تجلى عطاء زينب العظيم الكبير الذي يعجز الإنسان عن وصفه أو التحدث عنه حتى أنه
يمكن القول بدون مبالغة أن ثورة كربلاء صنعتها شخصيتان؛ شخصية الحسين وشخصية أخته
زينب، وهما ركيزتان في صنع هذه الثورة العظيمة وتفاعلاتها ونتائجها على مر التاريخ.
إن السيدة زينب هي شريكة الإمام الحسين في ثورته ونهضته وهي بطلة كربلاء. عطاؤها في
مختلف الأبعاد والمجالات... عطاؤها السياسي واضح فقد كانت لسان الثورة الناطق الذي
نقل صوت الثورة إلى مختلف المدن والبقاع والآفاق، وهي التي عبرت عن مواقف الثورة
والنهضة الحسينية بشكل واضح صريح وكانت أول وأفضل مَن بيَّن أهداف هذه الحركة وكيف
حصلت أحداثها وما هي نتائجها المرجوة والمتوقعة، وقد هز موقفها عروش وصروح الحكم
الأموي.
هذا عطاؤها السياسي أما عطاؤها العلمي والمعرفي فقد كانت محدثة تروي عن أمها
الزهراء الخطبة الجليلة العظيمة المتعلقة بفدك، وهذه الخطبة إنما وصلت للأجيال
بواسطة السيدة زينب التي حفظتها للبشرية جمعاء، كما روت عن أبيها علي بن أبي طالب
وبعض أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات، وروى عنها الكثير من الصحابة والأعلام.
أما عطاؤها المادي فقد كان بيتها بيت الجود والسخاء وكان من تقدير الله سبحانه
وتعالى لها أن تكون زوجة لجواد قريش المعروف عبدالله بن جعفر وهو من الأجواد
المشهورين في تاريخ العرب المعروفين بالكرم والعطاء والسخاء لذلك ينقل المؤرخون كيف
كان بيت السيدة زينب محجة للفقراء والمساكين والمحتاجين. لقد كان من طبيعتها العطاء
والسخاء حتى في أحلك الظروف وأصعب الأوقات، فالزهرة الفواحة والوردة العطرة لا
تتوقف عن نشر العطر في أي مكان وضعتها فيه وفي أي زمان كانت، وهكذا كانت السيدة
زينب إذ يروي المؤرخون بأنها كانت تتنازل عن حصتها من الماء والغذاء لصالح أطفال
أخيها الحسين الأسرى ونبقى مضطربة الجسم لا تقدر على الصلاة من قيام لما أصابها من
جوع إضافة إلى آلام المصيبة، ويذكر المؤرخون كيف أن السيدة زينب (ع) عندما عادت إلى
المدينة - وكان المسئول عن قافلة عودتها من قبل الأمويين النعمان بن بشير- أخذت ما
تبقى لديها ولدى أختها من حلي وقدمتها إلى النعمان قائلة هذا جزاء إحسانك معنا في
رحلتنا فردّ عليها بأنه لم يفعل ذلك من أجل أجر مادي لكنها أصرت عليه أن يتقبل ذلك
هدية منها مع الاعتذار بأنها لا تملك أكثر من ذلك.
عطاؤها المعنوي... الإمام زين العابدين(ع) مع أنه إمام ومعصوم فقد أغدقت عليه
السيدة زينب من عطائها وكانت ترفع من معنوياته كما فعلت يوم الحادي عشر من المحرم
عندما قالت له: (ما لي أراك يا بقية جدي وأبي وإخوتي مضطربا منزعجا)، كما حمته من
القتل أكثر من مرة وفدته بنفسها.
هذه صور ونماذج وعينات من عطاء السيدة زينب وسخائها في حياتها، وبعد التحاقها
بالرفيق الأعلى استمر عطاؤها بالتدفق والنمو والزيادة وكما أشرت فإن ما نعيشه اليوم
في سورية وظلال ذلك وأشعته في سائر المناطق إنما هو من بركة السيدة زينب... (وجعلني
مباركا أينما كنت)، في حال الحياة وبعد الوفاة، في أي بقعة زمنية أو جغرافية، عطاء
دائم مستمر ولكن كيف نستفيد من هذا العطاء؟...
أشعة الشمس تسطع على الجميع ولكن هنالك من يحول أشعة الشمس إلى طاقة ونور، وهناك من
قد تصبح أشعة الشمس ضارة عليه تصيبه بالمرض والألم في رأسه، كيف تتعامل مع العطاء
والنعم؟... حين تنهمر الأمطار من السماء فهناك من يستفيد منها زرعا وخيرا، وهناك من
تصبح الأمطار سببا في تهديم بيته وشقاء حياته.
نحن في جوار السيدة زينب وضيافتها، ونعيش عطاء هذه السيدة وبركتها في كل لحظة من
هذه اللحظات. ولكن كيف نتعامل مع هذا العطاء ونحوله إلى طاقة محركة وإلى ضياء ونور
نستفيد منه؟ وكيف نبتعد عن أساليب الاستغلال وسوء الاستخدام لهذا العطاء؟ هناك من
يسيء الاستخدام والاستغلال بالتأكيد، ولكن الصالحين المؤمنين هم من يستفيد من هذا
العطاء الثرّ.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا ولكم في ذكرى ميلاد هذه المباركة الدائمة
البركة والعطاء.
ولا يسعني هنا إلا أن أشيد بهذا النشاط الكبير العظيم الموفق الذي يقوم به الأخ
الدكتور عصام عباس حفظه الله ووفقه في الاحتفاء بهذه المناسبة العظيمة. إنه
وانطلاقا من حبه العميق لهذه السيدة العظيمة ومن معرفته الواعية بدورها وتأثيرها
وأبعاد عطائها وإخلاصه حمل على عاتقه هذه المهمة الكبيرة، إنه ليس مرجعية دينية ولا
حوزة ولا مؤسسة ولا منشأة معينة حتى يكون هذا العمل جزءا من برنامجه الطبيعي
الاحترافي فهو مشغول بعمله الخاص كطبيب ولكن ما يقوم به من هذا النشاط العظيم إنما
هو انطلاق وانبثاق من وعيه وإيمانه وصدقه فحياه الله وبارك له هذا النشاط وتقبل
الله منه وجعل منه قدوة للآخرين حتى يقوم كل إنسان بأي صفة كانت وفي أي موقع كان
طبيبا أو مهندسا أو رجل أعمال بتحمل مسؤوليته تجاه هذه الكنوز المعنوية العظيمة
التي نفخر بها ويجب أن نستفيد من عطائها. بارك الله في جهود أخينا الكريم ووفقه وإن
شاء الله تستمر هذه الاحتفالات وهذه المناسبات كل عام مع تطوير وزيادة في العطاء
كما هو شأن سيدتنا زينب، ومن يرتبط بها وينثني إليها يصبح مرتبطا بشلالها المبارك
وعطائها المتدفق. بارك الله لنا ولكم هذه المناسبة العطرة وأعادنا وأعادكم جميعا
على أمثالها بخير وتقدم وصلاح إنه ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين وصلى الله
على سيدنا محمد وآله الطاهرين والسلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.