مهرجان النجمة المحمدية
الولائي
الحادي عشر
المجلس الثاني: المركز الثقافي العربي بالعدوي
كلمة وفد السويداء ألقاها فضيلة الشيخ الأستاذ جميل أبو ترابي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على رسوله خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين....jpg)
السلام على شهداء كربلاء إلى يوم الدين...
السلام على من قضى في سبيل الحق ونصرة الدين ...
أيها الحفل الكريم ...
إنه لمن دواعي الاعتزاز والسرور أن يكون لنا شرف اللقاء بكم في هذه المناسبة
الكريمة للمشاركة في
المهرجان الولائي الحادي عشر لذكرى ميلاد كريمة أهل البيت السيدة زينب وتحت شعار:
(السيدة زينب (ع) مشروع إعلامي هادف ورؤية مستقبلية مضيئة للأجيال من كربلاء إلى
القدس).
تلك السيدة الفاضلة التي سجّلت في مواقفها البطولية شرفاً للإسلام وعزاً للمسلمين
على امتداد التاريخ وكانت خير مثل للشرف والعفاف والكرامة وكل ما تعتز به المرأة
وتسمو به، وإذ نحتفي بهذه الذكرى المضمخة بعبير التضحية والجهاد لا من أجل السرد
التاريخي المجرد لمناقب القديسة الطاهرة فهي ملء فم الدنيا وسمعها وإنما نحتفي بها
للتأكيد على أهداف ثلاثة:
- التذكير بالدور الرسالي والقيادي لهذه السيدة العظيمة واتخاذها قدوة ومثالاً
لنساء العصر.
- استلهام الكثير من مثلها العليا السامية التي سطع نورها عبر التاريخ واستضاءت به
الأجيال على مر الزمان.
- بيان القاسم المشترك بين ثورة كربلاء وثورة الحجارة في القدس الشريف مروراً ببعض
الثورات التي نشبت بين هاتين الثورتين في بعض أقطار الوطن العربي.
ولو كان الوقت يتسع لبسط الحديث في كل هدف من الأهداف المذكورة لأتينا على الكثير
من الحقائق والدقائق، إنما نذكر منها ما نحن أحوج إليه في عصرنا الحاضر لمعالجة
واقعنا المعاش والارتقاء به إلى مستوى طموحات أمتنا العربية والإسلامية وتحقيق
الآمال في وحدة الصف والعزة والنصر والتصدي لعدونا المشترك الذي يتربص بنا الدوائر.
عاشت السيدة زينب (ع) في فترة مضطربة مليئة بالأحداث والتطورات السياسية وضعت
الإسلام والمسلمين على مفترق طرق وبثّت الفرقة بينهم وكثرت التيارات الحزبية التي
حاولت بكل وسائل القوة أن تسدل الستار على قادة الأمة وهداتها الحقيقيين الذين
أقامهم الرسول (ع) أعلاماً لأمته وخزنة لعلومه وحكمته فدافعت زهراء الرسول بقوة
وصلابة عن حق سيد العترة أمير المؤمنين رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام (كرم
الله وجهه)، وكذلك وقفت ابنتها العقيلة أمام الحكم الأموي الذي استهدف إقصاء أهل
البيت عن واقعهم الاجتماعي والديني والسياسي فدخلت المعترك السياسي من جميع جوانبه
أسوة بأمها التي كانت تدلي برأيها السياسي أمام كل الناس وبأعلى صوتها، ولا عجب في
ذلك فالبيت الذي تربت فيه العقيلة وورثت عنه الشجاعة في قول الحق والمزايا الحميدة
ونهلت من علوم جدها وأبيها وأخويها هو بيت النبوة والمدرسة التي تلقت فيها قيم
النضال، هي مدرسة التضحية ونكران الذات واحترام الإنسان لأخيه الإنسان، مدرسة
الإصلاح والجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة الحق والتي كان من أولى ثمارها
معركة كربلاء، تلك المعركة التي أصبحت كما يؤكد المؤرخون المنصفون العنوان السامي
لكل المجاهدين في دنيا العروبة والإسلام خاصةً في هذا الظرف العصيب الذي تمر فيه
أمتنا العربية والإسلامية وقد تضافرت عليها كل قوى الشر والعدوان ممثلةً بالصهيونية
العالمية ومن يساندها لإذلال هذه الأمة وسلب خيراتها وحديثنا عن محفد العقيلة
الطاهر وبيئتها الغنية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن بعض مثلها السامية التي
نستلهم منها القدوة الصالحة والشفافية الروحانية والخصال النبوية ولا نحصيها عليها،
منها على سبيل المثال الإيمان العميق بالله تعالى والرضا والتسليم لمشيئته وهذا ما
دل عليه موقفها على جثمان أخيها الحسين في العاشر من محرم وقد مزقته سيوف الظلم
فقالت كلمتها الخالدة: (اللهم تقبّلْ هذا القربان و أثبِْه على عمله)، ومنها صبرها
الجليل واحتمالها ما حل بأهلها من الرزايا والكوارث التي لا تتحملها إلا سيدة مثلها
إذ فقدت من أهل بيتها وخيار أنصارهم وتلامذتهم 73 رجلاً في يوم واحد لكنها صمدت
أمام ذلك البلاء العارم وصبرت صبر الأنبياء راضية بقضاء الله تعالى متمثلةً بقوله
عز وجلّ: (وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون
أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)، ناهيك عن شجاعتها النادرة وقولها الحق في
المواقف الحرجة في حضرة الطغاة المتجبرين فحدِّثْ ولا حرج لكن الوقت لا يتسع لإيراد
الشواهد من خطبها البليغة، وشاركت عقيلة بني هاشم أخاها الحسين في ثورته على الظلم
والطغيان ووقفت معه في خندق واحد ومما يدعو إلى الإكبار والاعتزاز أن تلك الثورة
غير المتكافئة من حيث العدة والعدد لم تحسب يومذاك حساباً إلى ما يُعرف اليوم
بموازين القوى وإلا لما أقدم عليها الإمام الحسين وهو يعلم ذلك، سلاحه الوحيد فيها
الإيمان بالله تعالى في عدالة قضيته وقوة الحق التي لا تعلو عليها قوة وهذا ما
تؤكده الآية القرآنية الكريمة: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)،
والشبه كبير بين ثورة الحسين والثورات التي نشبت في وطننا العربي إذ أن الثورات على
الظلم والاستعباد واغتصاب الحقوق تستوحي رسالاتها وقيمها النضالية من بعضها البعض
وميزان القوى لديها كلها هو قوة الحق ونصر الله يمنحه من يشاء من عباده، وكمثال على
ذلك الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين التي قادها المغفور له سلطان باشا الأطرش
وانتصر بها المجاهدون الأبطال على جيش فرنسا المدجج بأحدث أنواع السلاح في ذلك
الوقت في معارك جبل العرب وغوطة دمشق وسفوح جبال العلويين و غيرها من المواقع . لم
يحسب قائدها حساباً لموازين القوى حين كان سلاح المقاتلين البنادق القديمة وأشباه
السيوف والعصي والفؤوس، ومما أضفى على معاركهم صموداً ومناعة يبعثان العزة في
النفوس وقوف حفيدات العقيلة خلف صفوف المقاتلين في معركة المزرعة يمددنهم بالخبز
والماء ويبثثن الحماس والنخوة في صدورهم ويناشدنهم بأعلى أصواتهن في زحمة القتال: (النشامى...
اليوم ولا كل يوم... احموا أعراضكم... دافعوا عن أرضكم و أطفالكم... لا رجعة لكم...
نحن وراءكم... فإما الشهادة أو النصر)، وانتصر الحق ذلك النصر المؤزر، وأعلى ما
يكون الباطل يأتي عليه الحق فيخمده.
وقد أجاد الشاعر القروي في تصوير هذه المواقف البطولية لحفيدات عقيلة بني هاشم
فقال:
وَ نِسَاؤُهُم، لَو تَشهَدُونَ نِسَاءَهُم في الحَربِ حَامِلَةً عَلَى الشُّـجعَانِ
يَنفَخْنَ في أَشْــبَالِهِنَّ حَمَاسَـــــةً
تَـثِبُ الصُّـــــدُورُ لَهَا مِنَ الغَلَيانِ
كَالماءِ أَعـــــذَبُ ما يَكُـونُ وَ إِنَّهُ
لأَشَـدُّ مَا يَســـــطُو عَلَى النِّيرَانِ
و المثل و القدوة كذلك في بطولات وتضحيات حزب الله المجاهد في الجنوب اللبناني
الصامد حيث أجبر العالم كله على الاعتراف بحقه في الجهاد المقدس، هذا الحزب الذي لم
ولن يلقي سلاحه حتى يحرر آخر شبر من تراب وطنه العزيز لم يضع هو الآخر في حسبانه
موازين القوى بل رأى أن قوة الحق أقوى من دبابات العدو وطائراته، فرسالة كربلاء
تشحذ همم رجاله وقبس من نور الحسين يسري في دمائهم بالتضحية والفداء وعمق إيمانهم
يدعوهم للتمسك بمضمون الآية القرآنية الكريمة (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن
الله والله مع الصابرين)، ونعم الصبر صبر زعيم ذلك الحزب المناضل السيد حسن نصرالله
حينما رفض كما روي لنا أن يقيم مجلس عزاء لنجله الشهيد في معارك الجنوب حيث قدّمه
قرباناً مقدساً على مذبح الحرية و الكرامة وإخاله في هذا الموقف المشرف يأتسي
بعقيلة بني هاشم في محنتها التي ابتلاها الله بها في كربلاء.
أيها السادة:
ما أشبه الليلة بالبارحة!، بالأمس البعيد دعا آل البيت (ع) أعوان الظلم للاحتكام
إلى لغة العقل والمنطق والعودة إلى سنة العدل والحق فأبى أولئك واستكبروا وسلطوا
سيوف البغي على رقاب الأبرياء وهدروا دماءهم الزكية التي لا تزال صرخة مدوية عبر
التاريخ تهيب بالأجيال من بعدهم لنصرة الحق وعدم الركون والاستسلام للطغاة وستظل
صرخة كربلاء مدوية في آذان الظالمين تنذرهم بأن للباطل جولات وللحق جولة واليوم
يعيد التاريخ نفسه؛ يمد العرب أيديهم للسلام فيمد أعداء السلام لهم يد الغدر
والعدوان ويقصفون بيوت الآمنين العزّل فوق رؤوس النساء والأطفال والشيوخ لا يرعون
في ذلك حرمة ولا يعرفون الرحمة ليثبتوا للعالم أجمع أن السلام عندهم بالكلام
والأحلام، فبوركت تلك الدماء الزكية التي تغسل قدس القلوب من أدناس العدو الصهيوني،
وتحية إكبار وإجلال للمناضلين الأبطال الذين لا تزال نفحة كربلاء تغلي في صدورهم
وتثير الحماس والنخوة في نفوسهم ليستقبلوا رصاص العدو بصدور عارية إلا من الإيمان
بحقهم في الحياة الحرة الكريمة، هؤلاء النشامى الذين يسقط العشرات منهم كل يوم في
ساح الشرف وخلفهم حفيدات العقيلة يزغردن كلما سقط شهيد، لم يحسبوا حساباً لموازين
القوى وهم يقابلون دبابات العدو وطائراته بالحجارة والمقاليع وقلوبٍ أصلب من دروع
المهاجمين وإلا لما كان لثورتهم من معنى، الظلم في كربلاء هو عين الظلم في القدس
الشريف، وثورة الحجارة امتداد لثورة كربلاء، ولعل أبناء تلك المنطقة هم الذين عناهم
النبي (ص) بقوله:
(لا تزال فئة من أمتي قائمة على الجهاد المقدس إلى يوم الدين. قيل: وأين هم يا رسول
الله؟ قال: إنهم هناك في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس).
إن دماء الشهداء في فلسطين المحتلة تستصرخ الضمائر الحية في كل مكان لإنقاذ القدس
الشريف من همجية العدو الصهيوني الذي يعمل ليل نهار على تهويدها وإحاطتها بسياج من
عنصريته وأحقاده.
إن الصراع الدائم بين الحق والباطل، بين المظلوم والظالم إلى أن يرث الله الأرض ومن
عليها فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً، فسلام الله ورضوانه على شهداء
الحق من يوم كربلاء إلى يوم ثورة الحجارة، وسلام الله ورضوانه على صاحبة هذه الذكرى
العطرة التي أحيت القلوب بذكرها وكان عيد مولدها ملتقى المحبين، فقد كانت ولا تزال
قدوة صالحة في الدين والدنيا ورسالتها الإعلامية الهادفة أضاءت بنورها طريق النضال
للأجيال، لا غاية لها سوى نصرة الحق مهما عظمت التضحيات وبعث روح العزة والكرامة في
النفوس الأبية المؤمنة وما أجمل ما قاله فيها أحد الشعراء وهو يمجد بطولتها
العجيبة:
رَمزُ البُطُــــــولَةِ بِالعَطاءِ تَألَّقَتْ
في دَورِها السَّـــــامِي بِعَاشُورَاءِ
هِيَ مِن إِمَامِ المُتَّقـــــينَ تَحَدَّرَتْ
هِيَ صُـــــورَةٌ مِنْ أُمِّهَا الزَّهرَاءِ
هِيَ صَــــرخَةٌ لِلحَقِّ دَوَّى صَوتُها
في مَســــــمَعِ الدُّنيا بِكُلِّ جَلاءِ
وكل عام وأنتم بخير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.