مهرجان النجمة المحمدية الولائي الحادي عشر
المجلس الأول: حسينية الزهراء

كلمة فضيلة الشيخ محمد جواد مالك المفتح (العراق)

بسم الله الرحمن الرحيم

لو فتَّشوا قلبي رَأوا وسْطَه        سـطرين قد خُطَّا بلا كاتِبِ
العَدلُ والتَّوحـيد في جانبٍ        وحُبُّ أهلِ البيتِ في جانِبِ

وُلِدَت مولاتنا السيدة زينب (ع) في اليوم الخامس من شهر جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة، وبمناسبة هذه الذكرى الكريمة نتقدم بالتبريكات القلبية لكل المؤمنين والمسلمين والأحرار في العالم وندعو أنفسنا لنأتي إلى مائدة هذه البطلة التي سجلت تأريخاً ملؤه المقاومة والصبر والعبادة والتحدي للظالمين, لنأتي ولنستفيد من هذه الصديقة الصغرى ما يمكن من معاني الإباء والإخاء والتضحية والفداء.
إن من ألقابها الصدِّيقة الصغرى تمييزاً لها عن أمها فاطمة الزهراء (ع) وهي الصديقة الكبرى، والعقيلة (عقيلة الطالبيين) وعقيلة بني هاشم ومعنى العقيلة أنها عزيزة في قومها وكريمة عندهم. ومن ألقابها العابدة والعالمة غير المعلمة والفهمة غير المفهمة كما في نص الإمام المعصوم زين العابدين (ع).
حينما وُلِدَت مولاتنا زينب جاءت مولاتنا فاطمة تحملها إلى أبيها أمير المؤمنين قائلة له: سمِّ هذه المولودة يا أبا الحسن فقال: ما كنت لأسبق جدها رسول الله في تسميتها، وكان جدها في سفر كما تقول الروايات وحينما عاد جاءه أمير المؤمنين قائلاً: يا رسول الله سمِّ هذه المولودة فقال رسول الله: ما كنت لأسبق ربي في تسميتها، فهبط عليه جبرائيل يبلغه السلام من الله ويقول له: إن الله قد سماها زينب فسمها بهذا الاسم.
ولاسم زينب معنيان: (زين الأب)، والآخر كما في كتب اللغة (الشجر الجميل المنظر والطيب الرائحة) أي المعطاء.
ثم بعد قليل أخبره جبرائيل بما يجري على السيدة زينب من الآلام والمصائب فبكى رسول الله لما يجري على حفيدته. إذاً في يوم بهجة النبي و فرحة آله تسيل دموع الرسول الأعظم لما ذكره جبرائيل مما سيجري على الحسين في يوم عاشوراء وفي أرض كربلاء.
في ذكرى ولادتها ماذا نريد من إحياء هذه الذكرى؟ الذي نريده بوضوح أن نجدد البيعة لجدها رسول الله وأبيها أمير المؤمنين وأمها فاطمة أي نجدد البيعة للإسلام والقرآن, لننهض بالإسلام عقيدةً و مبدأ، فمولاتنا السيدة زينب تعلِّمنا كيف أنها وقفت واستبسلت وعاشت أجواء من المظالم لا يتحملها أي إنسان وكثافة هائلة من المصائب والآلام ولكنها وقفت بالرغم من ذلك صابرة وقدمت أروع صور الشجاعة وبيّنت هدف الثورة وعرّت الطغاة والظالمين مما كانوا يلفّون حوله تعرية كاملة بعد شهادة الإمام الحسين. من هنا فهي العالمة العابدة الموثّقة التي وقفت ذلك الموقف الذي يجعلنا نتساءل: هل يمكن أن يتعلم المسلمون اليوم كيف وقف إعلام المظلومين والمضطهدين والثوار والمستضعفين لكي نعري الظالمين من نشوة الانتصارات الكاذبة ومن زهو وكبرياء ما يعيشون فيه؟ إن السيدة زينب تعلمنا ذلك؛ كيف وقفت في يوم كربلاء، بل من المدينة حينما خرجت مع أخيها الإمام الحسين ومن مكة المكرمة إلى كربلاء وإلى تلك المسيرة المؤلمة إلى الكوفة ثم إلى الشام ثم العودة إلى كربلاء فالمدينة، مسيرة طويلة كلها عقبات والمتتبع لحياة السيدة زينب (ع) يلحظ النموذج الرائع في جهادها وصبرها وعبادتها وعطاءاتها وإليك بعض الشواهد؛ في يوم عاشوراء حينما بقي الإمام الحسين وحيداً وقد استشهد أبناؤه وأصحابه قدَّمت السيدة زينب (ع) له جواد الشهادة مع أنها أم لشهيدين، وبعد أن استشهد خرجت تتخطى القتلى فنظر إليها الأعداء... ماذا تريد أن تفعل؟!, قيل لابن سعد: إنها زينب بنت علي قدمت إلى مصرع أخيها, فقال: ويحك مر الجيش لينفلق سماطين, سارت والأنظار متوجهة إليها... وصلت إلى جسد أبي عبد الله و هو جسد بلا رأس ملقى على الأرض... وضعت يديها تحت جسد أبي عبد الله ثم شخصت بنظراتها إلى السماء قائلة: (اللهم تقبل منا هذا القربان)، إنه فداء لوجه الله ...

فلأنتِ يوم الطفِّ روحُ المصطفى        والمرتضى وفداؤُكِ المقبـــولُ
أقبلْتِ بالأنوارِ يابنةَ حــــيدرٍ        سعياً حثيثاً والعقـولُ ذهــولُ
ورَفعْتِ شلواً للحســينِ مقطّعاً        والقلبُ يعصـــفه الفؤادُ يقولُ
يا رب قربانٌ لنا ســبطُ الهدى        هذا حســــينٌ بالعراءِ قتيلُ

موقف يسجله التاريخ... ثم تعود لتلملم العيال والأطفال.
نتعلم من زينب كيف نكرس المعتقد ونحمل العقيدة بعنوان الشهادة والتضحية والعبادة الواعية؛ وقفت في ليلة الحادي عشر من المحرم في تلك الليلة العصيبة المليئة بالآلام وإذا بالإمام زين العابدين يقوم إليها وهي تصلي عن جلوس إلى ربها نافلة الليل التي أوصاها الإمام الحسين بالدعاء له فيها قائلاً: (أخية لا تنسيني من الدعاء في نافلة الليل)، في تلك اللحظة القاسية والمؤلمة تجدها متوجهة إلى ربها.
وفي الكوفة أراد ابن زياد أن يسخر منها فقال لها: كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك؟. هذا هو منطق الطغاة و المجرمين، فما كان منها إلا أن أجابته: (ما رأيت إلا جميلاً. أولئك قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم). وأمام طاغية زمانها يزيد بن معاوية سجّلت الرؤية المستقبلية و الإعلام الإسلامي الواعي الذي يحفر في قلوب الأجيال ووظّفت الظروف في خدمة الثورة والدماء الزكية إذ وقفت أمامه وهو يعيش نشوة الانتصار واضعاً رأس الإمام الحسين (ع) أمامه ويتغنّى بهذه الأبيات:

ليتَ أشــــــياخي ببدرٍ شهدوا        جزعَ الخزرجِ من وقعِ الأســــل
لأهلّوا واســـــــتهلّوا فرحاً        ثم قالوا يا يزيد لا تُشَـــــــل

فصبّت عليه كلاماً ألّب النفوس ضده وهو بين قادة جنده ومبعوثي الملوك الذين كان بينهم مبعوث ملك الروم الذي قتل فيما بعد لموقفه المستنكر بعد أن أسلم، وقفت وهي مثقلة بالآلام لتقول: (كد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحوا ذكرنا ولا تميت وحينا).
وهكذا نتعلم كيف نستخدم الإعلام الهادف لخدمة قضايانا العادلة وكيف يستمر هذا الإعلام عبر الأجيال المتعاقبة ومن موقع إلى موقع. ونرجو من الله أن يوفقنا لإقامة هذه الاحتفالات الكريمة لمثل هذه الأهداف النبيلة. والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.