مهرجان النجمة المحمدية
الولائي
العاشر
المجلس الأول: حسينية الزهراء
كلمة الأستاذ الدكتور محمد علي آذرشب المستشار الثقافي الإيراني
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول
الله وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين..jpg)
ليس لمثلي أن يتحدث في مجلس مليء بالعلماء، ولكن روح الولاية التي يمتلكها مؤسس هذا
المجلس الأستاذ الدكتور عصام عباس تجعل المرء يستسلم أمام قدره، وأنا استسلمت وجزاه
الله خيراً وأعتذر إن وقفت أمامكم هذا الموقف فأنا لا أستحقه، ولكنه كما قلت طلب
ولائي من هذا العبد الفقير فاستجبت له وأرجو من الله سبحانه تعالى أن يكون لي حديث
بسيط يوضح معالم شخصية السيدة زينب الكبرى، هذه الشخصية التي هي باعتقادي غائبة عن
أذهاننا وأفكارنا وأعمالنا وأرواحنا كغياب المشروع الإسلامي بشكل عام، فنحن لا
نستطيع أن نفهم السيدة زينب إلا إذا فهمنا مشروع السيدة زينب بأجمعه ومشروع كربلاء
بأجمعه، ولا يمكن أن نفهم مشروع كربلاء إلا إذا فهمنا المشروع الإسلامي بشكل عام.
إن الإسلام الذي منَّ الله به على البشرية وجاهد في سبيله المجاهدون، وضحّى في
سبيله الأئمة الأطهار والمعصومون، هذا الإسلام العظيم الذي أستطاع أن يحول مجتمعاً
بدوياً متفرقاً إلى أمة هي خير أمة أخرجت للناس، ما هو هدفه؟ أو ما هو المقصد
النهائي له؟ في الواقع، نحن وإن كنا نعيش الإسلام في عبادتنا ومناسكنا وقسم من
أخلاقنا وتصرفاتنا، لكننا لم نتعمق في فكر ونفسية المفصل الأساسي للإسلام, أو
المفصل الأساسي في كل الأديان, فالأديان الإلهية كلها تتجه اتجاهاً واحداً. ما هو
الهدف الأساسي؟ أهداف الإسلام كثيرة, ولكن ما هو أساس هذه الأهداف الذي تتفرع عنه
سائر الأهداف الأخرى؟
طبعاً للمفكرين آراء مختلفة في هذا الأمر وأنا أدلي بدلوي في هذا المجال وأقول إن
الإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى من صلصال من حمإٍ مسنون, يعني خلقه الله من طين
وبكل ما لهذا الطين من خصال تشد الإنسان إلى الأرض، أي إن الإنسان مشدود باحتياجاته
المادية إلى الأرض مثل سائر الحيوانات لأنه مخلوق من صلصال من حمإٍ مسنون فيمتلك كل
خصائص الحيوانات التي تشده إلى الأرض من طعام ومتاع وغيره, ولكنه يختلف عن سائر
الحيوانات بأنه [ونفخ فيه من روحه]، يمتلك نفخة رب العالمين وكل ما في هذه الروح من
كرامة [ولقد كرّمنا بني آدم]، كل الأديان الإلهية جاءت من أجل تركيز هذه النفخة
الإلهية في نفس الإنسان، من أجل أن لا تستولي نزعة الطين على نزعة نفخة روح رب
العالمين. الإنسان مشدود إلى الدنيا ومتاعها وشهواتها لأنه خلق من صلصال من حمإٍ
مسنون ولكن من أجل أن لا تختفي نفخة روح رب العالمين من وجود الإنسان وتظل نابضة
فيه خُلِقت الرسالات وخُلِق الأنبياء لتتحقق كرامة الإنسان التي تتلخص في إحياء
نفخة روح رب العالمين فيه, فكلما قويت نفخة روح رب العالمين في الإنسان قويت كرامته
وكلما ضعفت هذه النفخة انقلب الإنسان من الكرامة إلى الذل ومن العز إلى الخوف,
ودائماً هناك تعارض بين كرامة الإنسان وبين نزعاته المادية ومما قاله أمير المؤمنين
(ع): (من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهواته)، أي أنك إذا رأيت إنساناً لا يعيش إلا
من أجل متطلباته المادية فاعلم أن ميزان الكرامة قد قل فيه, وإذا كان الإنسان يحس
بعزة وكرامة فإن ضغط الشهوات والحياة الدنيا يقل عنده.
المجتمع الإسلامي بسبب ظروفه التاريخية مُني بالذل في إهدار دم الحسين، وهنا نحتاج
إلى استعراض الظروف التاريخية التي مرت بالمجتمع المسلم بعد وفاة الرسول (ص) خاصة
بعد انتهاء الخلافة الراشدة ومقتل أمير المؤمنين وتسلط الحكم الأموي, فنرى كيف أن
المسلمين انحدروا في هاوية الذل وأصبح المجتمع المسلم يعيش في حالة من الإرهاب
والخوف ولا يفكر إلا بمتطلبات حياته اليومية ولقمة عيشه ومكان يأمن فيه وخسيس من
العيش يبقى فيه حياً , هذه الحالة التي وجدت في المجتمع المسلم مضادة لكل أهداف
الأنبياء وكل ما جاء به رسول الله من مهمة وكل ما ضحى من أجله أئمة أهل البيت لأنها
مضادة لعزة الإنسان المسلم.
في وقت من الأوقات ظهر في إيران كتاب اسمه (الشهيد الخالد) وطرح مسألة هي أن الإمام
الحسين (ع) جاء إلى العراق من أجل مهمة كبيرة جداً هي إقامة دولة إسلامية فعارض بعض
المعارضين قائلين بأن الحسين كان يعرف أنه لا يستطيع أن يقيم دولة وكان يعرف الظروف
ودار نقاش كبير في هذا المجال (ما هو هدف الحسين من المجيء إلى كربلاء ؟), لكن
الشيء الوحيد الذي لم يطرح في هذا الجدل هو أن الحسين جاء من أجل إعادة عزة الأمة
الإسلامية، وعزة الأمة الإسلامية أهم من الدولة الإسلامية, لأن هدف الدولة
الإسلامية هو تحقيق عزة الإسلام والمسلمين وفي الدعاء نقول: (اللهم إنا نرغب إليك
في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله) , لماذا (نرغب إليك في دولة كريمة)؟ لأنها
(تعز بها الإسلام وأهله)، فالعزة وكرامة الإنسان هي المهم لأنها تساوي نفخة روح رب
العالمين فيه، وتساوي الحركة الحضارية للإنسان.
إذا فقد الإنسان المسلم والمجتمع المسلم الكرامة عندها تقف حركته الحضارية, وكل ما
سجله المسلمون في حركتهم الحضارية إنما هو بسبب إحساسهم بالعزة والكرامة فالعالم
يحس بعزته وكرامته فيعمل من أجل العلم, وكذلك الطبيب والمهندس والفلكي والفقيه
والمفكر، والمسيرة الحضارية للمجتمع المسلم تتوقف عندما يفقد عزته وكرامته. ومن هنا
نفهم أن الإمام الحسين حينما جاء إلى كربلاء ليعيد للأمة عزتها وكرامتها ويسجل
موقفاً يحرر به النفوس الميتة ويحطم الجمود الذي خيم على المجتمع الإسلامي بسبب
حالة الذل التي سيطرت عليه إنما بعث مسيرة الحركة الحضارية الإسلامية ولولاه لتوقفت
وما شهدنا تلك المسيرة الحضارية على الإطلاق.
كل ما حدث في القرنين الرابع والخامس من ازدهار حضاري في حقول المعرفة المختلفة
إنما هو مدين لحادثة كربلاء التي أعادت للأمة عزتها بعد أن كادت تفقد كل شيء، تفقد
إنسانيتها وإحساسها بالحضارة وإحساسها بالعزة وبذلك تتوقف مسيرتها الحضارية.
ويجب أن نفهم الإمام الحسين وزينب في هذا الإطار, فالسيدة زينب واصلت ما نهض به
الإمام الحسين, الحسين بدمه وشهادته وتضحيته وموقفه قال للمسلمين: (هيهات منا
الذلة)، وهذا هو أهم شعار طرح في كربلاء, من أجل أن يعيد للمسلمين إحساسهم بالعزة
والكرامة وهذا الإحساس أساس كل حركة حضارية في المجتمع المسلم وهو الشعار الأهم
الذي طرح في أيام الثورة الإسلامية في إيران, والإيرانيون كانوا يتدفقون إلى
الشوارع وكلهم يرفعون هذه اللافتة (هيهات منا الذلة).
إذاً روح الحسين استمرت في إعطاء دم جديد للشعوب الإسلامية على مر العصور حتى يومنا
هذا, وما سجله الأبطال المجاهدون في جنوب لبنان إنما كان من شعاع نور الحسين ومن دم
الحسين الذي يجري في دم هؤلاء الشباب فطلبوا العزة والشهادة من أجل أن يحققوا النصر
لأمتهم.
السيدة زينب واصلت بدقة وببرنامج واضح ومنظم ما نهض به الحسين من أجل بعث روح العزة
في الأمة, وكانت مهيأة تربوياً في بيت أمير المؤمنين وعند أخويها الحسن والحسين من
أجل أن تنهض بهذا الدور، والوثائق الموجودة عندنا تؤكد أن هذه المرأة لم تولد في
كربلاء وإنما في بيت أمير المؤمنين، وكل مواقفها تدل على خلفية تربوية عظيمة حظيت
بها هذه المرأة, وإلا فكيف يمكن لامرأة في ليلة عاشوراء تعرف أن أخوتها وأهل بيتها
سيقتلون وأنها ستقع سبية في يد أجلف أجلاف الناس, كل ذلك تعلمه والدلائل كانت واضحة
تماماً والحسين صرح بذلك لأهل بيته وأصحابه, في ذلك الموقف الرهيب الذي يدك الجبال
ويتزلزل به الرجال يوصي الحسين أخته فيقول: (اذكريني في نافلة الليل), هذا كلام لا
يمكن أن أعبر عنه أو أن أصفه, كم كانت هذه المرأة عظيمة وكبيرة وخلفيتها التربوية
هائلة بحيث يخاطبها الإمام الحسين بهذا الخطاب, وهذا برأيي كاف ليوضح أن هذه المرأة
كانت معدة إعداداً كبيراً لأن تنهض بمسؤولية كبرى بعد مقتل الحسين, وهذه وثيقة
تاريخية يذكرها المؤرخون.
وهناك وثيقة تاريخية أخرى تدل على أن هذه المرأة كانت غير عادية, وهي موقفها عند
جسد أخيها، وتعرفون كم كان هذا الجسد مصاباً بالطعنات وبالرماح وبالسيوف وقد احتز
رأسه, وهذا منظر لا يمكن أن نطيقه وقد نرى هذا المنظر في الصور فترتعد فرائصنا بعد
1400 سنة, أما هي فعندما رأت هذا المشهد حياً في كربلاء قالت: (اللهم تَقبَّلْ
منَّا هذا القربان)، وهذا لا يمكن أن يصدر من امرأة عادية ولا بد أن التربية التي
حظيت بها هذه المرأة في مدرسة أمير المؤمنين ومدرسة أخويها الحسن والحسين كانت على
درجة أهّلتها لهذه المكانة العظيمة.
ثم بعد كربلاء ماذا فعلت؟ كل ما فعلته يمكن أن نصوغه في عبارة واحدة وهي نفس هدف
الحسين (بعث روح العزة في نفوس المسلمين)، وكان لها مشروع كبير وعظيم في هذا المجال
وسأذكر لكم بعضاً من مواقفها في هذا الحين:
- عدم الشعور بالهزيمة:
أنتم تعرفون أن الإنسان قد يفشل ويهزم ظاهرياً في مجال من المجالات ولكنه إذا انهزم
نفسياً فقد انهزم في الواقع، ولكنه إذا لم ينهزم نفسياً فإنه يستطيع أن يحول هذا
الفشل إلى نصر. كم من التجار فشلوا في تجارتهم وكم من المجاهدين أخفقوا في أعمالهم
الجهادية ولكن لم تدخل الهزيمة في نفوسهم فاستطاعوا أن يتغلبوا عليها وأن يحولوها
إلى نصر. في الواقع أن الإنسان هو الذي ينهزم والظروف الخارجية قد توحي بأن هنالك
هزيمة ولكن الهزيمة الحقيقية هي في داخل النفس. إذا انهزم الإنسان نفسياً فهي
الهزيمة الواقعية والسيدة زينب لم تنهزم نفسياً قط وكل مواقفها تدل على أنها كانت
واقفة كالجبل أمام كل ما عانته وواجهته.
يقول الراوي عن السيدة زينب بعد واقعة كربلاء: (نظرت إلى زينب بنت علي فلم أر خفرة
أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين). مع أن الحوادث التي مرت على السيدة
زينب تخرس الخطباء وأصحاب الأدب والشعر وذوي اللسان الطليق!؟
يتابع الراوي: (وقد أومَأَت إلى الناس إن اسكتوا فارتدت الأنفاس وسكتت الأجراس)،
بإشارة واحدة من هذه المرأة العظيمة خيم السكوت على هؤلاء الناس. وهذا يدل على أنها
لم تنهزم على الإطلاق بل حافظت على رباطة جأشها وقدرتها وقوتها في هذا الموقف
الرهيب.
ثم يقول الراوي عن أهل الكوفة: (لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم
على أفواههم ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول بأبي أنتم
وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسلكم خير نسل لا يُخزى ولا يبزى) أي
لا يتطرق إليه غلبة أوغل, لا يُغَل ولا يُغلَب ولا يُخزَى.
وفي موقف آخر دخلت السيدة زينب وهي متنكرة على عبيد الله بن زياد الطاغية الكبير
الذي يشعر بأنه استطاع أن يقوم بعمل كبير بقتل الحسين, دخلت عليه زينب ولم تعبأ به
على الإطلاق فمضت حتى جلست بناحية من القصر وحفَّت بها النساء, فاستشاط الطاغية
غضباً وقال: (من هذه التي جلست ومعها نساؤها ؟) فلم تجبه السيدة زينب, فأعاد السؤال
ثانية وثالثة فقالت بعض النساء: (هذه زينب بنت رسول الله) . لاحظوا عظمة الموقف فهي
لا تجيبه إذ يكرر السؤال ثلاثاً وعندها تجيبه إحدى النساء .
هذه المواقف وأمثالها تدل على أن هذه المرأة لم تشعر على الإطلاق بهزيمة نفسية بل
تشعر بأنها انتصرت وحققت ما أراد أخوها لهذا المجتمع حيث واصلت هذه المهمة.
- المحافظة على روح العزة:
يقول المؤرخون أن السبايا عندما دخلوا إلى جانب المسجد الأعظم في الشام كان من
الطبيعي أن تزورهم النساء، فخشيت السيدة زينب أن النساء إذا دخلن على نسوة آل رسول
الله فإنهن سيشعرن بالذل تجاه هؤلاء النساء الأحرار في الوقت الذي كن فيه أسارى،
فقالت السيدة زينب: (لا تدخل علينا إلا مملوكة أو أم ولد فإنهن سُبِينَ كما سبينا)،
أي أن لا تدخل علينا إلا النساء اللاتي يشاركننا في هذه المأساة العاطفية وهذه
التجربة لأنهن يعرفن ما نعاني منه أما البقية فلا يدخلن علينا وهذه مسألة نفسية يجب
أن نقف عندها بدقة، فعندما يمر المرء بحالة خاصة يجب أن لا يعاشر إنساناً يشعر
بالذل أمامه.
في حالة أخرى يروي المؤرخون أن الناس تجمعوا حول أطفال الحسين يقدمون لهم الطعام
فصرخت زينب: (إن الصدقة حرام علينا أهل البيت). انظروا كيف تغرس روح العزة في نفوس
أهل بيت رسول الله وفي نفوس الآخرين حتى يعرفوا كم هؤلاء الناس هم أعزة وكرام، فكان
الطفل -وهو جائع- يلفظ اللقمة من فمه ويرميها قائلاً: (إن عمتي قالت إن الصدقة حرام
علينا أهل البيت)، ليس المهم هو الجوع بل المهم هو العزة وأمامي آلاف المواقف التي
تدل كلها على أن هذه المرأة أرادت أن تواصل مشروع أخيها في غرس روح العزة.
انظروا كيف تخاطب يزيد: (كِدْ كيدَك واسعَ سعيَك وناصِبْ جهدَك فوالله لا تمحو
ذكرنا ولا تميتُ وحيَنا ولا تدركُ أمدَنا ولا ترحض عنك عارَها وهل رأيك إلا فند
وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين فالحمد
لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة ونسأل الله أن
يكثر له الثواب ويوجب له المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود وحسبنا الله
ونعم الوكيل).
من هو المنتصر السيدة زينب أم يزيد؟ هذا منطق لا يمكن أن نفهم منه أن المنتصر هو
يزيد بل زينب هي المنتصرة، الحسين هو المنتصر.
بودِّي يا إخواني أن تطالعوا حياة السيدة زينب من كربلاء حتى وفاتها . فسوف لن
تجدوا فيها إلا صور العزة بعد العزة وبعث روح الكرامة في نفوس الأمة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأن نعيش روح الحسين, وثورة الحسين, ونهج
الحسين, ونداء الحسين, ونداء زينب فإنه نداء العزة والكرامة. والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته.