ندوة الإمام الحسن العسكري السنوية

كلمة الأستاذ مظهر جركش

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
الحمد لله الهادي إلى الصواب، وأشهد أن لا إله إلا الله الكريم الوهاب، وأشهد أن محمدا رسول الله آتاه الحكمة وفصل الخطاب، اللهم صل على محمد وعلى آله الطاهرين المنتجبين، وعلى أصحابه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أحب -أيها الأخوة- أن أنظر إلى الإسلام على أنه مدارس وليس فرقا، وأن لكل مدرسة طرائقها ومناهجها، تستقي من مصدر واحد، وتصب في غاية واحدة أساسها الكتاب والسنة، وغايتها رضوان الله سبحانه. نحن أمة يجمعنا كتاب الله وسنة نبيه (ص)، لذلك فالوحدة قائمة بين المسلمين المؤمنين الذين ليس في قلوبهم غل للذين آمنوا، فالله أمرنا أن نكون يدا واحدة لا تفرقنا الأهواء، ولا تشتت شملنا الفتن، والله يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) ويقول: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)، (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) ويقول: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) وقال رسول الله (ص): (يد الله مع الجماعة) وقال: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب). إذن الحق بين لكل ذي بصيرة، ولا يعوز الأمة إلا الإخلاص وصدق النية، وبذلك تكون وحدة الأمة الإسلامية قائمة، والتوحيد هو السياج الذي يربط المسلمين برباطه المتين، وهو الينبوع الذي يغذي النفوس المؤمنة للالتقاء على مائدة الأخوة والإيمان، فإن كنا بالأمس بحاجة إلى هذه الوحدة الإسلامية، فنحن اليوم بأمس الحاجة إليها، فإلى متى يكفر بعضنا بعضا ونبينا (ص) يقول: (من كفر مسلما فقد باء بها أحدهما)؟ فالجريء على التكفير فقد أفتى، والجريء على الفتوى جريء على النار والله تعالى يقول: (إن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون)، (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله).
أقول لمن نصب نفسه حاكما عن الله ليدخل من يشاء من المؤمنين إلى الجنة، ويكفر من يشاء: هل ضمنت لنفسك الجنة والقبول عند الله أولا حتى سمحت لنفسك بتكفير الآخرين؟ والذي تفعله هو الكفران المبين وهو شق لوحدة المسلمين والرسول الكريم (ص) يقول: (من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات ميتة جاهلية). فليتق كل مسلم ربه، ولينظر ما تفعله يداه، في إشعال نار الفرقة بين الأخوة. يقول سيدنا علي (ع): (رحم الله امرءاً تفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر، فكل متوقع آت، وكل آت قريب دان، والناس في فتن فانجذم حبل الدين، وتزعزعت سواري اليقين. أيها الناس... شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة، أفلح من نهض بجناح، أصلحوا ذات بينكم، لا يحمد حامد إلا ربه، ولا يلم لائم إلا نفسه. يا أيها الناس إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم فهم أعظم الناس حيطة من ورائه وألمهم لشعثه وأعطفهم عليه). فتعالوا يا إخوتي لنقوي هذه الرابطة الإسلامية ونصلي خلف بعضنا بعصا، ولنبتعد عن غلو الغالين، وليكن تعارفنا أوثق فتتآلف القلوب وتتلاشى الفرقة وتحل الألفة، قال رسول الله (ص): (الأرواح جنود مجندة من تعارف منها ائتلف ومن تنافر منها اختلف). فتعالوا لنكثر من اجتماعنا وليدع كل أخ أخاه إلى بيته وليتجنب ما يسيء إلى نفسه فالله قد أمرنا بمحاورة المخالفين في العقيدة والدين بقوله: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) فما بالكم في أبناء الدين الواحد.
وانطلاقا من هذا الحوار الهادف والهادئ والبنّاء دعونا نقل ذهب أمس بما فيه وجاء اليوم بما يقتضيه، ونقطة البيكار أن يحب الجار منا الجار، وأرجو أن تعي الأمة هذا لتخرج من هذه الأزمة لتعود إلى وحدتها التي جاء بها رسول الله رسالةً عن ربه وهذه مهمة المثقفين الواعين الذين سيوجهون الأمة بالتدريج إلى سواء السبيل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.